خطر داخل مطبخك.. محاولات علمية لمواجهة أضرار استخدام تلك الأواني


سلمى عرفة
الاربعاء 08 نوفمبر 2023 | 10:45 مساءً

هل سمعت عن المواد الكيميائية الأبدية؟.. أكثر من 9 آلاف نوع منها تدخل في تصنيع عدد لا نهائي من المنتجات التي نستخدمها في حياتنا اليومية بداية من الملابس، ومواد التعبئة، إلى الأواني غير اللاصقة، لكن تلك المواد التي باتت تنتشر في المياه، والتربة، وأجساد البشر لها آثار خطيرة وطويلة المدى.

وتشمل تلك المواد أنواعاً عديدة من مركبات "البيرفلورو ألكيل" و"البولي فلورو ألكيل"، وتُعرَف باسم "PFAS"، وهي التي تهدِّد البشر بمخاطر صحية عديدة.

أضرار صحية

ويتسبَّب انتشار تلك المركبات في إحداث خلل في هرمونات جسم الإنسان، ومنها ما يزيد من خطر الإصابة بالسرطان، كحمض البيرفلوروكتانويك الذي حذرت منه الوكالة الدولية لأبحاث السرطان "IARC".

وهناك مركبات أخرى ممنوعة دولياً بموجب اتفاقية ستوكهولم، وهي اتفاقية دولية تهدف إلى القضاء على الملوثات العضوية الثابتة أو تقييد إنتاجها.

لكن محاولات التخلص من تلك المواد التي باتت تنتشر في البيئة تتطلَّب تكلفة باهظة الثمن؛ إذ كشف تقرير صادر عن منظمة "Chem Sec" (غير ربحية معنية بالاستخدام الآمن للمواد الكيميائية، مقرها السويد) ارتفاع تكلفة عمليات المعالجة لتلك المواد تصل إلى 17 تريليون دولار سنوياً.

ويعتقد إيان كوزينز أستاذ الكيمياء البيئية في جامعة ستوكهولم بالسويد، أن آثار المواد الكيميائية الأبدية يمكن إصلاحها، من خلال تقنيات تكنولوجية يمكنها التعامل مع كافة المواقع الملوثة، لكن الأمر يتطلَّب تكلفة عالية؛ ما يتطلَّب البحث عن تقنيات رخيصة تستهلك كميات محدودة من الطاقة، وفق موقع "بي بي سي".

ترشيح المياه

تركز المرشحات التي تُستخدَم في محطات تنقية المياه، على إزالة المعادن الثقيلة ومبيدات الآفات ومجموعة من المواد الملوثة، منها "الكلورين".

ويقول أندرو نايت عالم الكيمياء في مختبرات سانديا الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية، إن هناك تحدياً بشأن إنتاج مرشحات يمكنها التعامل مع كافة المواد الكيميائية الأبدية بسبب التنوع الشديد لتلك المركبات، لكنه يعمل حالياً مع فريق من علماء الكيمياء على تصميم نظام ترشيح قادر على احتجاز مجموعة كبيرة منها.

ويركز نايت حالياً على دراسة تلك المواد، وأحجام مسام المرشحات التي يمكنها تحقيق أقصى درجة من امتصاص العديد منها، علاوةً على التوقيت المناسب للقيام بذلك؛ لأن المواد العضوية غالباً ما تلتصق بالمرشحات أولاً، ومن ثم فإن وضع المرشح الذي يتعامل مع المركبات الكيميائية الأبدية في المرحلة التي تتراجع عندها تلك المواد إلى أقصى درجة يمكن أن يساعد في تحقيق الهدف.

ويحذر عالم الكيمياء من غياب الفهم الكامل لآثار تلك المواد؛ حيث لا يتم تحديد المركبات الأشد خطورةً، إضافةً إلى صعوبة التعامل مع النفايات التي تحتوي على تركيز عالٍ منها؛ وذلك في حالة النجاح في استخلاص تلك المواد الكيميائية الأبدية من المياه.

وبحسب رأيه، غالباً ما تنتهي تلك الكميات المتبقية في مكبات النفايات، أو تخضع للحرق الذي يستهلك الكثير من الطاقة؛ لأن العديد من المركبات جرى تصميمها لتكون مقاومةً للحرارة؛ حيث يتحمَّل مركب التفلون أو"PTFE" درجات حرارة تصل إلى 260 درجة مئوية، كما تنطلق منها مواد أخرى يمكن انتقالها بسهولة أكبر في التربة، والمياه الجوفية، ونظم المياه، لينتهي به في مياه الشرب مجدداً.

الأشعة فوق البنفسجية

وفي سياق آخر، يبحث العديد من العلماء عن طرق منخفضة التكلفة وعملية يمكنها تفكيك المواد الكيميائية الأبدية دون الحاجة إلى درجة مرتفعة من الحرارة أو الضغط.

يعمل فريق بحثي في جامعة كاليفورنيا الأمريكية على استخدام الأشعة فوق البنفسجية العميقة التي تتمتع بأطوال موجية شديدة الانخفاض؛ أي أقل من 220 نانومتر، لتفكيك تلك المواد في الظروف الطبيعية المحيطة.

وتتميز تلك التقنية بعدم إنتاج نفايات ثانوية؛ حيث تعمل تلك الأشعة على تحفيز مجموعة من التفاعلات تؤدي إلى تكسير تلك المواد، بمجرد غمر المياه الملوثة بالهيدروجين.

ويشير هايتشو ليو مؤلف الدراسة التي نشرتها دورية Hazardous Materials Letters إلى عدم الحاجة للجوء إلى الحرارة أو أي مواد كيميائية إضافية خلال تلك العملية، من أجل تكسير جزيئات الكلور والفلورين داخل المواد الكيميائية الأبدية، ومن ثم يصبح الفلوريد الذي يساعد على حماية الأسنان هو المنتج الثانوي الوحيد.

ويضيف ليو: "نقوم بتحويل مادة كيميائية سامة إلى عنصر مفيد، ولدينا بيانات حقيقية واعدة حول درجة عالية من التدمير في المياه".

ويعمل ليو حالياً على تصميم نظام تجريبي لمعالجة عدة جالونات من المياه في دقيقة واحدة، ويأمل أن ينتهي خلال عامين من تطوير مفاعل للتعامل مع ملايين الجالونات في اليوم الواحد من خلال الأشعة فوق البنفسجية.

ونظراً إلى أن ذلك النوع من الضوء يجري استخدامه على نطاق واسع ضمن وسائل التطهير، فإنه يمكنه تحديث محطات معالجة المياه، باستخدام مصابيح الأشعة فوق البنفسجية الموفرة للطاقة.

تلوث التربة

وفي المناطق التي تشهد درجات شديدة من التلوث، تبرز كذلك أهمية معالجة التربة؛ فواحدة من الاستراتيجيات التي يمكن استخدامها هي ضخ الكربون المنشط إلى التربة لاحتجاز تلك المواد، ومنع تسربها إلى المياه الجوفية، وهو ما يجري تنفيذه على نطاق ضيق، لكن لا تتوافر دراسات طويلة المدى حول هذا الأمر حتى الآن.

وهناك خيار آخر، وهو استخراج التربة الملوثة، والعمل على تنقيتها، لكن المياه المتبقية لا بد كذلك من التعامل معها إما عن طريق المرشحات، أو من خلال الأشعة فوق البنفسجية.

وكانت الطبيعة ولا تزال مصدراً لإلهام العلماء في التعامل مع الأزمة؛ ففي عام 2019، كشفت تجربة أجراها باحثون بجامعة برينستون الأمريكية إلى أن بكتيريا "Acidimicrobium bacterium A6" أزالت 60% من مركبات السلفونيك البيرفلوروكتاني "PFOS"، وحمض بيرفلورو الأوكتانويك "PFOA" في الزجاجات المعملية على مدى 100 يوم من الملاحظة، لكن تلك التجربة لم يَجْرِ إعادتها مجدداً، ولا يزال الأمر يتطلب مزيداً من الأبحاث العلمية.