اخضرار الأرض.. أزمة بيئية أم فرصة لمواجهة التغير المناخي؟


سلمى عرفة
السبت 06 ابريل 2024 | 12:29 صباحاً

دمار هائل لحق بالأرض على مدى عقود طويلة، فحرائق الغابات التي تفاقمت بفعل التغير المناخي يتسع مداها لتلتهم المزيد من الغابات، بينما تخسر الطيور الموائل النباتية التي اعتادت عليها، بعدما زحف إليها البشر؛ وكل شيء.

رغم كل ذلك الدمار الذي تسمع به، تتشابه النتائج المفاجئة التي يتوصل إليها خلال الدراسات التي يجرونها، وهي أن كوكبنا، في الواقع، يزداد اخضراراً.. ليس بالمعنى المجازي للكلمة الذي يشير إلى التحول نحو الاستدامة، ولكن بمعناه الحرفي، فالأرض التي نعيش عليها يتغير لونها بالفعل.

في تقرير نشره موقع "VOX"، نقل الكاتب بينج جونس نتائج عدة دراسات حديثة تعتمد على بيانات الأقمار الصناعية تشير إلى أن مساحة الغطاء النباتي، ويشير إليها بكمية الأوراق النباتية الموجودة في منطقة معينة، زادت بشكل ملحوظ خلال العقود الأربعة الماضية، مضيفاً أنه على غير المتوقع لم تتراجع المساحات الخضراء على كوكبنا بل امتدت لمساحات أوسع.

ظاهرة إيجابية أم سلبية؟

وفقاً لرأيه، يشكل فهم اللون الذي تكتسي به الأرض مسألة هامة لفهم شكل مستقبلنا عليها، فغالباً ما يعني الاخضرار زيادة القدرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون الذي يزيد درجة حرارة الأرض، كما أن زيادة عدد الأوراق يعني زيادة عمليات التمثيل الضوئي التي تقوم بتلك المهمة على نحو أفضل.

لكن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو، فتحول اللون ليس علامة على استعادة الغابات أو النظم البيئية الأخرى التي فقدناها، بل يشير بدلاً من ذلك إلى أن البشر يتدخلون في الطبيعة على مستوى عالمي وغالباً ما سينتهي الأمر بعواقب وخيمة.

وتأتي غالبية المعلومات الإجمالية التي نعرفها عن الأرض من الأقمار الصناعية التي يجهز بعضها بأجهزة استشعار عن بعد عالية التقنية، وبمساعدة النماذج الحاسوبية، يمكن لتلك الأجهزة قياس العدد التقريبي لأوراق النباتات في منطقة معينة على اليابسة، وبالتالي فإن زيادة درجة الاخضرار يعني أن تلك المنطقة عليها مساحات أوسع من النباتات، أو تلك النباتات تتمتع بعدد أكبر من الأوراق.

المزيد من الأوراق

يشير التقرير إلى نتائج دراسة نشرتها دورية "Nature Sustainability" والتي خلصت إلى زيادة كميات أوراق النباتات على الأرض بفارق 5% خلال عقدين فحسب، ما يعادل مساحة غابات الأمازون عندما تكون مغطاة بطبقة رقيقة من الأوراق.

دراسة أخرى نشرتها دورية "Global Ecology and Conservation" خلصت إلى أن الأمر لا يقتصر على زيادة عدد الأوراق فحسب، بل إن معدلات التخضير ترتفع فيما يزيد عن نصف مساحة اليابسة التي نعيش عليها.

لكن تلك النتائج تبدو غير متوقعة، في عصر إزالة الغابات، ربما تظن أن لون الأرض يتحول إلى البني أو الرمادي.. فما الأسباب التي أدت إلى ذلك؟

أحد التفسيرات هو تلوث الهواء في حد ذاته، فغاز ثاني أكسيد الكربون لا يندرج ضمن الملوثات فحسب، بل هو مخصب للنباتات كذلك، وهو مكون أساسي في عمليات التمثيل الضوئي التي تساعد النباتات على النمو، ويستخدمه المزارعون في الصوب الزراعية، لكان الأنشطة البشرية المتصاعدة باتت تقوم بالأمر على مستوى عالمي، حتى زاد نسبة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بفارق 50% على مدى القرنين الماضيين.

الزراعة متهمة

السبب الثاني هو أن البشر يقومون بالفعل بزراعة المزيد من النباتات، فالدراسة التي أشارت إلى زيادة حجم الأوراق ترى أن تلك الظاهرة نتجت عن خليط بين الزراعة وبين زراعة الأشجار، كما تبرز تلك الظاهرة في الهند والصين، الدولتان الأكثر اكتظاظاً بالسكان، ويسكنهما ما يزيد عن 2 مليار شخص.

في تصريحات نقلها موقع "VOX"، يقول جوشوا جراي، عالم الجغرافيا المكانية في جامعة ولاية نورث كارولينا الأمريكية إن كثافة الزراعة التي حدثت في الهند على مدار العقود الأربعة الماضية، مدهش.

وفقاً لإحصائيات حكومية صينية، زرعت الدولة الآسيوية خلال تلك الفترة. عشرات المليارات من الأشجار، لكن غالبية كل قطعة أرض منها تتكون من نوع واحد فحسب من الأشجار.

التنوع البيولوجي.. أبرز الضحايا

لكن ما يحدد عواقب الظاهرة ليس اللون، وإنما مكون هذا اللون، فعلى سبيل المثال، لن تفرق أجهزة الاستشعار عن بعد بين غابة مطيرة، وبين مزرعة أحادية المحصول لا ينمو فيها سوى أشجار البن، أو المطاط، لكن أثر كل منها على البيئة مختلف تماماً، فالأولى موطناً لكائنات حية مختلفة وتساهم في تنظيم المناخ المحلي، بينما قد تخلو المزارع الأخرى من الحياة عدا المحصول الذي ينمو بداخلها.

تشير روبن تشازدون، عالمة البيئة في معهد الموارد العالمية، وهو معهد بحثي غير ربحي معني بالقضايا البيئية، إلى أن تلك الظاهرة تساهم في إخفاء الدمار البيئي، لأن لأن الشركات غالبا ما تقطع تلك الغابات الأصلية، لصالح النباتات التجارية، وبيانات الأقمار الصناعية لا يمكنها التقاط تغيرات اختلاف في استخدام الأراضي.

كما أن المزارع لم تحل محل النظم البيئية الأصلية فحسب، بل يتطلب تشغيلها كميات كبيرة من المياه والمواد الكيميائية مثل المبيدات الحشرية، والأسمدة، وبالتالي فإن تلك المزارع تنتج كميات أكبر من ثاني أكيد الكربون أكثر ممما تمتصه.

كما ترى إن حملات التخضير عبر زراعة الأشجار يمكن أن تمثل إشكالية، لأن الغابات المزروعة التي تمثل نوع واحد من الأشجار أو نوعين ولا توفر الكثير بالنسبة للفوائد البيئية الأخرى مثل التنوع الحيوي، و مواجهة تآكل التربة.

هناك جانب آخر من الأزمة، وهي أن ظاهرة الاخضرار لا تقتصر على اليابسة، بل طالت كذلك المحيطات لكن أسبابها وآثارها أكثر غموضاً، لكن الأرجح أنها تحدث بسبب زيادة أعداد العوالق النباتية الدقيقة التي تمتص، مثلها كالنباتات، غاز ثاني أكسيد الكربون، أو بسبب تغير طرأ على تلك الكائنات وانتشرت الأنواع التي تنتج المزيد من صبغتها الخضراء.