دروس من "مجاعة البطاطس".. تجارب علمية لإنتاج نباتات مقاومة للتغير المناخي


سلمى عرفة
الاربعاء 31 يناير 2024 | 08:58 مساءً

في منتصف القرن التاسع عشر، واجه الأيرلنديون الحدث الأكثر إيلاماً في تاريخ بلادهم، عندما دمر فطر اللفحة المتأخرة غالبية محصول البطاطس الذي يعتمدون عليه، وانتهى الأمر بمجاعة أودت بحياة مليون شخص، أطلق عليها لاحقاً "مجاعة البطاطس".

أحد الأسباب التي ساهمت في تراجع مقاومة المحصول للفطر كان الطريقة التي عمل بها المزارعون على إكثاره وتهجينه، والتي حدت من تنوعه الجيني، وجعلته متطابقاً تماماً، بحسب تقرير لموقع "Scientific American".

لتجنب مثل هذه السيناريوهات، يحاول العلماء العثور على إنتاج سلالات جديدة من النباتات مقاومة لآثار التغير المناخي من ارتفاع درجات الحرارة والجفاف، دون زيادة هشاشتها في مواجهة الآفات.

التغير المناخي يهدد الأمن الغذائي

تلك الآثار المناخية لها خسائر فادحة على الزراعة بغض النظر عن الموقع الجغرافي؛ فعلى سبيل المثال، دمر الجفاف الشديد محصول الأرز والطماطم في غرب الولايات المتحدة، ودمرت آثار الجفاف والأمطار محصول الذرة في جواتيمالا، الذي يمثل أحد المحاصيل الزراعية الرئيسية في البلاد. وفي جنوب الصحراء الأفريقية انخفض محصولا القمح والذرة بأكثر من الثلث منذ ستينيات القرن الماضي.

وتشير التوقعات المناخية إلى سيناريوهات أسوأ؛ حيث يتوقع انخفاض محصول الذرة التي يستفيد منه الملايين حول العالم، بنسبة 24% بحلول عام 2030، وفقاً لدراسة أجرتها وكالة "ناسا" عام 2021.

وفي الوقت الذي يمكن أن تكون فيه تلك التغيرات لصالح محاصيل أخرى، يشير العلماء إلى ضرورة تنويع المحاصيل الزراعية كي تعزز المرونة وأنظمة الطعام المستدامة.

فاصوليا التيباري

ريتشارد برات عالم النباتات والأستاذ في جامعة ولاية نيو مكسيكو الأمريكية، أحد العلماء الذين يحاولون مواجهة الخطر؛ حيث شارك في رحلة علمية مع فريق من الباحثين خرجوا إلى جبال الولاية النائية؛ بحثاً عن نبات بعينه بين التضاريس الوعرة، ولم يتمكنوا من العثور عليه إلا بعد 7 أيام كاملة، وهو "فاصوليا التيباري البرية"، التي يعود أصلها إلى المناطق القاحلة في الولايات المتحدة والمكسيك، وتطورت في هذا المناخ بسبب قدرتها الاستثنائية على تحمل الجفاف والحرارة.

تلك البعثة التي ضمت عدداً من باحثي وزارة الزراعة الأمريكية، والمركز الدولي للزراعة الاستوائية "CIAT"، كانت جزءاً من عدد كبير من العلماء الذين يحاولون الحفاظ على النباتات البرية المهملة، ومواجهة التغير المناخي في الوقت نفسه.

ويرجح ريتشارد برات، أن السلالات البرية لفاصوليا التيباري تضم قدراً كبيراً من التنوع الجيني مقارنة بالأنواع المزروعة، ويمكن لمادتها الوراثية أن تساهم في زيادة قدرة المحاصيل الأخرى على تحمل الجفاف والحرارة، وعن طريق خلط السلالة البرية بفاصوليا سوداء أو مرقطة يمكن إنتاج سلالة جديدة يمكنها تحمل سمات الظروف البيئية القاسية.

وبحسب دراسته المنشورة في عام 2022، اكتشف "برات" أن فاصوليا التيباري تحتاج إلى كميات أقل من المياه، ويأمل فريقه تعزيز وجودها في بنوك النباتات البحثية، لكن هناك الكثير من المناقشات التي لا زالت تجرى حول كيفية دمج تلك السمات الجينية في الفاصوليا الشائع استخدامها.

تهجين النباتات

وللبشر تاريخ طويل مع عمليات استئناس النباتات وتهجينها، لتحقيق أهداف مختلفة كزيادة الإنتاج، وتحسين المذاق؛ فالذرة التي تنتجها دول مختلفة حول العالم، يعود الفضل فيه إلى السكان الأصليين في المكسيك الذين حولوا "التيوسنت البري" (نبات يشبه الذرة) إلى الذرة التي نعرفها اليوم.

يقول عالم البيئة خيسوس جارسيا الباحث في متحف صحراء أريزونا سونورا الأمريكي، في حديث لموقع "Scientific American": "سواء كان التفاح أو الكمثرى أو العنب الذي تشتريه من السوبر ماركت، فتلك المحاصيل كانت واحدة من النباتات التي استأنسها البشر".

تحديات عديدة

ورغم تطور علم الجينات الذي مكن العلماء من اختيار السمات المرغوب بها مثل المذاق واللون، والحجم، وتطوير سلالات محسنة، هناك عقبات تواجه عمليات إنتاج النباتات التي تنطبق عليها هذه الشروط، أبرزها الوقت الطويل الذي تحتاج إليه، بينما تتسارع التغيرات التي تطرأ على الطقس.

وفي الوقت الذي يمكن أن يساهم التقدم في التسلسل الجيني، وتعديل الجينات في تسريع العلمية، فإنه لا يخلو كذلك من مشكلات؛ فبعض الباحثين كشفوا أن تقنية التعديل الجيني "Crispr" قد تؤدي إلى تغيرات غير مقصودة في الحمض النووي.

وبجانب مشروع "برات" هناك العديد من المشروعات العلمية الأخرى التي تعمل على إنتاج سلالات مقاومة للظروف الجوية القاسية دون الوقوع في عيوب الطرق الأخرى؛ فإذا ما عدنا إلى البطاطس مجدداً، فقد تمكن فريق بحثي من جامعة ميكغل الكندية، من جمع تسلسل الجينوم لنحو 300 نوع من البطاطس، من بينها الأنواع البرية للنبات، تمهيداً لإنتاج أنواع أفضل.

وفي 2019، نشرت مبادرة "الأقارب البرية للمحاصيل"، التي مولتها النرويج، نتائج ما قام به ما يزيد عن 100 عالم من 25 دولة، تمكنوا خلال 6 سنوات من جمع ما يزيد عن 4600 عينة من البذور مما يزيد عن 370 نوعاً من النباتات البرية والمستأنسة؛ لتوزيعها على بنوك الجينات النباتية العالمية، لاستخدامها في الأبحاث، وبعض تلك الأنواع لم يكن لها أي عينات في تلك البنوك.

واكتشف العلماء أن بعض أقارب المحاصيل البرية اختفت من مواطنها التاريخية، وبعضها عاد بشكل جديد لم يتم جمعه من قبل، واكتشفوا سمات مفيدة في عينات البذور المقاومة للحرارة والجفاف والملوحة في محاصيل الجزر والذرة، والبرسيم الحجازي.

تقول لويس سالازار مديرة التواصل بمنظمة "The Crop Trust"، التي شاركت في المبادرة، إن الأقارب البرية للمحاصيل كانت إما يجري تجاهلها أو نسيانها، أو ينظر إليها باعتبارها تهديداً للزراعة، لكن تلك الأنواع تتمتع بمرونة عالية مكنتها من النجاة دون تدخل، وتلك السمات المرنة هي ما نحتاجه الآن وسنحتاجه أكثر في المستقبل.