"مدن الـ15 دقيقة".. الحل الحضري لمواجهة تغير المناخ


إسراء محمد
الخميس 18 يناير 2024 | 09:00 مساءً

هل تمنيت يوماً أن تعيش في مدينة خالية من التلوث؛ حيث تُطبق كل معايير الاستدامة البيئية؟ تخيل أنك تستيقظ كل صباح على مناظر طبيعية خلابة، وهواء نقي يغمر رئتيك؟ إذا كانت هذه الأفكار تثير اهتمامك، فالمستقبل قد يحمل لك مفاجأة سارة.

بعض البلاد بدأت بالفعل في تطبيق معايير الاستدامة على أرض الواقع؛ حفاظاً على الكوكب من الانهيار؛ بسبب التغيرات المناخية المتطرفة، والانبعاثات الكربونية الملوثة للهواء، من خلال تحويل مدنها إلى "مدن الـ15 دقيقة" التي توفر لقاطنيها إمكانية الوصول إلى جميع الأماكن فيها في مدة لا تتعدى 15 دقيقة.

باريس

تساهم السيارات بـ10% في التلوث العالمي الناتج عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون؛ لذا توجهت باريس إلى بناء مدن قادرة على خفض الانبعاثات، تتمحور حول احتياجات الناس لا احتياجات السيارات، من خلال إعادة تصميم المدن بحيث يتمكن السكان من الوصول إلى جميع احتياجاتهم في نطاق ربع ساعة من منازلهم، سيراً على الأقدام أو باستخدام الدراجة أو وسائل النقل العام، حسب "Reuters".

ويعود الفضل في تعزيز هذا المفهوم المستدام إلى أستاذ في جامعة السوربون أشار إلى ضرورة أن يكون هناك مجتمعات قائمة بذاتها؛ حيث يعيش السكان ويعملون ويتسوقون في مساحة مدتها 15 دقيقة فقط. وبالرغم من ظهور هذا التوجه منذ عدة سنوات، لم تحصد هذه المدينة شهرتها العالمية إلا هذا العام.

كليفلاند

ولا تقتصر هذه التطورات على أوروبا فقط؛ حيث تحرص مدينة كليفلاند في الولايات المتحدة على تبني هذا النموذج، عبر تسهيل الوصول إلى أحيائها دون الحاجة إلى ركوب سيارات لفترات طويلة.

وبالرغم من أن التحول إلى "مدن الـ15 دقيقة" فكرة رائعة، فإنها واجهت – حسب "TheHill" – انتقادات ومزاعم وصفتها بأنها مؤامرة لتقييد حركة السكان من أجل مواجهة التغير المناخي؛ حيث ظهرت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تحذر من سجن المواطنين في أحيائهم؛ ما يجعل عملية التحول تتطلب – وفقاً لـ"Onegreenplanet" – إرادة سياسية ودعماً مجتمعياً، خاصةً أن هذا النموذج لا يقدم حلاً لتغير المناخ فحسب، بل يمهد الطريق أيضاً لحياة حضرية أكثر استدامةً يركز على احتياجات المجتمع المحلي.

وأوضحت "ليزا بنتون شورت" أستاذة الجغرافيا في جامعة جورج واشنطن، أن "مدن الـ15 دقيقة" ظهرت كجزء من تجربة نوقشت خلال فترة انتشار وباء "كورونا"؛ إذ تخلى العديد من الأمريكيين عن تنقلاتهم اليومية، وحاولوا شراء ما يحتاجونه من متاجر حول المنزل، وعندما يتعلق الأمر بالمتنزهات كانوا يختارون الأماكن القريبة؛ ما عزز فكرة هذه المدينة.

ويشير تقرير مجموعة العمل لعام 2022 الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، إلى أن التنفيذ الناجح لمدن الـ15 دقيقة، من المرجح أن يقلل استخدام الطاقة في المناطق الحضرية بنسبة 20% إلى 25% بحلول عام 2050.

دبي

أصبحت دبي من أولى المدن العربية التي تحولت إلى الاستدامة. وفي عام 2015، أطلقت حكومة دبي استراتيجية دبي للطاقة النظيفة، التي تهدف إلى جعل المدينة واحدة من أكثر مدن العالم استدامةً بحلول عام 2050.

كما يتضمن محور البنية التحتية عدة مبادرات؛ منها مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، وهو أكبر مولد للطاقة الشمسية في العالم من موقع واحد بقدرة إنتاجية تصل إلى 5000 ميجاوات بحلول عام 2030، ويسعى أيضاً إلى إنشاء مزيج طاقة صديق للبيئة يشمل الطاقة الشمسية (25%)، والطاقة النووية (7%)، والفحم النظيف (7%)، والغاز (61%) بحلول عام 2030.

وفي يناير 2011، نفذت بلدية دبي لوائح ومواصفات المباني الخضراء كخطوة أولى نحو تحقيق استراتيجية التنمية المستدامة، كما تسعى لبناء مبانٍ مستدامة تستخدم مصادر الطاقة المتجددة، وتقلل استهلاك المياه، وتقلل النفايات. وبعد تشييد 44 مبنى حكومياً أخضر، في مارس 2014 اتخذت بلدية دبي خطوة ثانية من خلال فرض لوائح ومواصفات المباني الخضراء على جميع المباني الجديدة في المدينة.

إضافةً إلى ذلك، تعمل دبي على تعزيز استخدام تقنيات المباني الخضراء للحد من استهلاك الطاقة وانبعاثات الكربون. وأحد الأمثلة البارزة على ذلك هو "برواز دبي"، وهو مبنى تاريخي في المدينة يستخدم تصميماً مبتكراً لتقليل استهلاك الطاقة، شُيِّد بتقنية تزيد الإضاءة الطبيعية والتهوية؛ ما يقلل الحاجة إلى تكييف الهواء والإضاءة الاصطناعية، وفقاً لـ"Blacklane Blog".

قطعت دبي خطوات كبيرة في تعزيز النقل المستدام، بهدف تقليل انبعاثات الكربون وتحسين جودة الهواء، كما قدمت المدينة أسطولاً من سيارات الأجرة الهجينة والحافلات الكهربائية، وتخطط لكي تُتِم 20% من جميع الرحلات في دبي، عن طريق المركبات الذاتية القيادة بحلول عام 2030. بالإضافة إلى ذلك، فإن مترو دبي، الذي أُطلق في عام 2009، هو نظام مترو آلي بالكامل يعمل بالكهرباء من دون سائق؛ ما يقلل انبعاثات الكربون والازدحام على الطرق.