المرجان المقاوم للتغير المناخي.. كيف نجحت تلك المستعمرات في مواجهة الخطر؟


سلمى عرفة
الثلاثاء 14 مايو 2024 | 03:27 مساءً

مشهد دوري تشهده مياه المحيطات سنوياً، عندما تبدأ الشعاب المرجانية الملونة في إطلاق كرات صغيرة بحجم اللؤلؤ، وتتنوع ألوانها بين الوردي والأحمر والبرتقالي والأصفر، لتتحول مياه المحيط إلى ما يشبه كرة الثلج.

تلك الظاهرة هي عملية تفريخ المرجان؛ فكل كرة من تلك الكريات تحتوي على مجموعة من البيض والحيوانات المنوية القادمة من مستعمرات مختلفة، تطلقها تلك الكريات في التوقيت نفسه، كي تلتقي معاً، وتكون صغار المرجان.

ذلك الحدث ليس من السهل ملاحظته؛ لأنها تحدث مرة واحدة كل عام، وتستمر لدقائق محدودة خلال الليل، لكنها باتت مهددة بسبب موجات الحرارة المتطرفة الناتجة عن التغيرات المناخية، التي تُفاقِم الإجهاد الذي يتعرض له المرجان.

لكن مجموعة من علماء الأحياء التابعين لمنظمة Fauna and Flora – وهي منظمة دولية غير ربحية معنية بالبيئة – تمكنوا، في أحد أيام هذا العام من ملاحظة تلك الظاهرة في خليج تايلاند قبالة سواحل كمبوديا، بعد وقت قصير من الغروب، وتمكنوا من التقاط مقطع فيديو لانطلاق تلك الكريات من المستعمرات المرجانية، حسبما نقل موقع "VOX".

المرجان والتغير المناخي

لكن المستعمرات المرجانية التي تقوم بأدوار مختلفة في البيئة البحرية – ومن بينها حماية السواحل من العواصف – تراجع أعدادها بفارق 50% منذ خمسينيات القرن الماضي. وجزء كبير من الأسباب يرتبط بالتغير المناخي الذي أفسد العلاقة بين المرجان وأحد الطحالب التكافلية الذي يمدها بالغذاء، ويمنحه ألوانه الزاهية، لينتهي الأمر بابيضاضه ونفوقه.

وتتوقع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ "IPCC" أن ارتفاع متوسط زيادة درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مقارنةً بما قبل الصناعة، سيؤدي إلى اختفاء 70 إلى 90% من الشعاب المرجانية الموجودة حول العالم.

لكن المرجان الموجود في منطقة شرق آسيا، بما في ذلك المنطقة التي لاحظها العلماء، تُخالِف هذا الاتجاه؛ إذ لم تتراجع أعدادها بفعل الاحترار الذي تعانيه محيطات العالم. ويرجح العلماء أن يساهم سر نجاة تلك الشعاب في حماية المستعمرات المتضررة في مناطق أخرى.

هذا الأمر يقودنا مجدداً إلى أهمية عملية الإكثار التي سجلها العلماء، والتي تشير إلى أنه في الوقت الذي تختفي فيه مساحات من الشعاب المرجانية، لا زالت الأخرى تتمتع بصحة جيدة نسبياً، وقادرة على إنتاج أجيال جديدة من المرجان.

ويصف مات جلو – وهو أحد أعضاء فريق مؤسسة "Fauna and Flora" – المشهد ويقول: "في كل مكان ذهبنا إليه كنا نرى المزيد من المستعمرات التي كانت تضع بيضها؛ إنه أمر يدعو إلى التفاؤل".

لكن المستعمرات المرجانية الموجودة في المنطقة تواجه كذلك بعض الأزمات؛ فالصيد الجائر – على سبيل المثال – أدى إلى تراجع أعداد الكائنات البحرية المفترسة التي تساهم في حماية الشعاب من خلال المغذيات الموجودة في فضلاتها.

السر في الحمض النووي

هناك ترجيحات بأن يكون السر في نجاة تلك المستعمرات هو تنوعها الشديد؛ فهناك عدد هائل من أنواع المرجان في تلك المنطقة، وكل نوع منها يتمتع بدرجة عالية من التنوع الجيني.

إحدى الدراسات التي نقلها التقرير تشير إلى أن سمات تحمُّل الحرارة موجودة بالفعل في الحمض النووي "DNA" لبعض المستعمرات، ومن ثم تنقل الأجيال التي تتمتع بها تلك المزايا إلى صغارها.

وتشير مارجريت ميلر – وهي من كبار علماء البيئة البحرية في الولايات المتحدة – إلى إمكانية انتقال يرقات المرجان التي تتمتع بمرونة كبيرة في مواجهة الحرارة إلى مناطق أخرى من الشعاب، وفقاً لموقع "VOX".

مرجان البحر الأحمر

لكن الشعاب المرجانية التي تتمتع بمقاومة مرتفعة للحرارة، لا يقتصر وجودها على شرق آسيا فحسب، بل تنتشر كذلك في مياه العالم العربي، ويُعوِّل عليها العلماء في المساهمة في نقل سماتها إلى المناطق المتضررة.

هذا الأمر أشار إليه الدكتور محمود حنفي أستاذ علم الأحياء البحرية في جامعة قناة السويس في مصر، مؤكداً أن المستعمرات المرجانية في البحر الأحمر تتمتع بدرجة عالية من تحمُّل درجات الحرارة المرتفعة، حسبما نقل موقع Phys.org.

ويؤكد إسلام عثمان عالم البيئة البحرية والطالب الزائر سابقاً في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية "كاوست"، في تصريح نقله الموقع، ضرورة الحفاظ على المستعمرات الواقعة في المنطقة؛ لأنها قد تلعب دور "بنك البذور" في عمليات الاستعادة المستقبلية للشعاب المتضررة.

إحدى النظريات التي تفسر زيادة مقاومة مرجان البحر الأحمر للحرارة، يطلق عليها اسم "الذاكرة التطورية"؛ فعلى سبيل المثال، تكوَّنت الشعاب الموجودة في مياه شمال البحر الأحمر، بعدما هاجرت يرقات المرجان شمالاً من المحيط الهندي، ومن ثم فإن اليرقات التي وصلت إلى تلك المنطقة هي التي نجحت في اجتياز المناطق ذات درجات الحرارة المرتفعة.