برامج الطهي الرمضانية.. غازات الدفيئة تطبخ على نار هادئة


مروة بدوي
السبت 23 مارس 2024 | 08:19 مساءً
برامج الطبخ
برامج الطبخ

خلال شهر رمضان تحاول كل سيدة إرضاء عائلتها وإسعاد أفرادها عبر مائدة رمضانية عامرة ومختلفة، ولكن مع الملل والحيرة من التكرار دائماً تبحث ربة المنزل عن أفكار جديدة عبر برامج الطبخ التلفزيونية، التي تصبح رائجة في الشهر الفضيل.

وتعد هذه البرامج ربة المنزل بتقديم كل ما لذ وطاب من الأطباق. وقد يبدو ذلك حقيقياً أحياناً، لكنه يعزز عادات طبخ ليست صديقة للمناخ والبيئة.

وفي الوقت الذي يوصي فيه خبراء المناخ بتناول كميات أقل من اللحوم ومنتجاتها، والتحول من مواقد الغاز إلى المواقد الكهربائية وتقليل هدر الطعام، نجد أن برامج الطبخ التلفزيونية غارقة في شرائح اللحم البقري السميكة، ولهيب الغاز المشتعل، وطاولات الطعام الزاخرة بالأطعمة التي تستهلك كماً هائلاً من الموارد والطاقة، وسوف يتضاعف ذلك أثناء الماراثون الرمضاني، فما مدى تأثير برامج الطبخ على البيئة؟ وكيف يمكن تغيير العادات المناخية السيئة التي يتم عرضها في برامج الطبخ وتعزيز استدامة المطبخ؟

مدى تأثير برامج الطبخ على البيئة

لا نقصد هنا تأثير إنتاج البرامج نفسه، حتى إن كان يؤدي إلى انبعاثات وهدر للموارد؛ لأنها تبقى محدودة وقابلة للسيطرة، لكننا نتحدث عن التأثير الثقافي والمجتمعي لهذه البرامج على قطاع عريض جداً من الجمهور.

لا أحد يستطيع إنكار تأثير وسائل الإعلام الجماهيرية، ومنها التلفزيون على سلوك البشر وممارساتهم اليومية. ويتحدث خبراء الإعلام أن ما نراه على الشاشة يلعب دوراً في تشكيل إحساسنا بما هو طبيعي أو مقبول اجتماعياً، ومن ثم فإن ما تقدمه برامج الطبخ من سلوكيات وممارسات يعمل على زيادة التأثيرات المناخية للغذاء، ويتحول مع التكرار إلى عادات مقبولة وسط جمهور هذه البرامج، الذي يتمثل في المرأة، من جميع الأعمار والفئات، بجانب الأطفال الذين يتابعون البرامج برفقة أمهاتهم؛ ما يؤثر في الوعي البيئي للشريحتين.

ولسوء الحظ، فإن ما تعرضه برامج الطبخ على شاشة التلفزيون لا يراعي التأثير المناخي للغذاء، علماً بأن الأخير مسؤول عما يتراوح بين 25% و30% من انبعاثات الغازات الدفيئة على كوكب الأرض. وهذه بعض المخاطر المناخية التي يتم عرضها بشكل شائع في برامج الطبخ التلفزيونية:

الإفراط وهدر طعام

صرحت الشخصية التلفزيونية والطاهية الهندية بريانكا نايك لصحيفة الجارديان، بأنه هناك دائماً هدر على شاشة التلفزيون لأكوام من الدجاج أو الأسماك في البرامج، وأرجعت ذلك إلى العديد من الأسباب، ومنها أن الإفراط في شراء المكونات يكون عن قصد لتأمين وجود بدائل في حال حدوث خطأ ما أثناء التصوير، وفي أحيان أخرى، يتم وضع مكونات زائدة على الطاولة، دون الحاجة لاستخدامها في الوصفات، بغرض جعل المطبخ يبدو مجهزاً جيداً وبصور مذهلة؛ ما يترك تأثيراً كبيراً في نفس الجمهور.

وأوضحت بريانكا أنه من ضمن أسباب الطعام المهدر في برامج مسابقات الطهي أن الحكام يتناولون بضع لقيمات فقط من كل طبق؛ حيث يتذوقون ما يزيد عن 12 طبقاً يومياً. وأحياناً تتضمن هذه البرامج تحديات تتطلب من المتسابقين إعداد كميات كبيرة من الطعام لإثبات مهاراتهم ويتذوقها الحكام أيضاً.

وفي هذه الحالة يصبح من الصعب تقديم الطعام المتبقي من البرنامج لبقية أفراد الطاقم لتناوله؛ لأن بروتوكولات النظافة لا تسمح بذلك، عندما يكون الحكم أو الطاهي فد أكل بعضاً منه بالفعل، أو عندما تبقى الأطباق لفترة طويلة أثناء التصوير، حفاظاً على صحة الجميع، ومز ثم يتم التخلص من الطعام، وربما زادت هذه الاحترازات بعد انتشار وباء كوفيد.

وفيما يتعلق بتأثير ما يشاهده أي شخص عبر التلفاز على سلوكياته داخل مطبخ منزله، أشارت دراسة منشورة على موقع مكتبة Wiley Online Library الأمريكية، إلى وجود علاقة بين التعرض لبرامج الطبخ التلفزيونية والعادات المتعلقة بإهدار الطعام؛ حيث كشفت نتائج الدراسة، عبر تحليل بيانات 429 مستهلكاً، أن قضاء المزيد من الوقت في مشاهدة برامج الطبخ التلفزيونية قد يشجع على هدر الطعام.

استهلاك كميات كبيرة من اللحوم

دائماً اللحوم هي العنصر الأساسي في برامج الطبخ، رغم أنها ذات بصمة كربونية كبيرة جداً، بسبب عمليات إنتاج الأعلاف ومعالجتها وصناعة لحوم الأبقار وحليب الماشية، التي تمثل المصادر الرئيسية لانبعاث غازات الاحتباس الحراري بالعالم، لكن على العكس لا يسعى منتجو البرامج إلى تقليل استخدام اللحم الحيواني، أو استبدال أنواع أخرى به، مثل الأسماك.

الطاقة والانبعاثات الكربونية

تعتمد برامج الطبخ أحياناً على مواقد الغاز، التي تسرب مواد كيميائية سامة وضارة على صحة الإنسان، مقارنة بالمواقد الكهربائية، التي تعد أفضل لصحة الإنسان والكوكب.

وأشارت ناتاليا باين خبيرة التغذية، في حديثها إلى صحفية الجارديان البربطانية، إلى أن تشغيل مواقد الغاز في موقع التصوير أمر سيئ جداً، وله تأثير سلبي كبير على المدى الطويل، لكن الاستمرار في استخدام أجهزة الغاز يكون غالباً من أجل إضفاء طابع جمالي على شكل المطبخ المعتاد لدى عامة الناس.

وترى خبيرة التغذية أن شركات الغاز تستثمر بكثافة، وتدفع الأموال لمكافحة الصحافة السلبية المتزايدة حول أضرار الغاز، ويستغلون برامج الطبخ للترويج لـ"فوائد" الطهي بالغاز، خاصة مع استمرار تزايد الأدلة على أن أجهزة الغاز ضارة بالصحة والمناخ حتى عند إيقاف تشغيلها.

كيف يمكن التخلص من العادات السيئة التي اعتدناها في البرامج؟

هذه بعض السلوكيات التي تقلل "التكلفة المناخية" التي ندفعها للحصول على الغذاء، وخاصة في رمضان:

تقليل اللحوم

يجب أن تضع الاستدامة ضمن أولوياتك. والتحول إلى نظام غذائي "مناخي" يستثني لحوم الماشية، ويحد من الدواجن والأسماك، يعد أحد أكثر الإجراءات المناخية تأثيراً التي يمكن لأي شخص اتخاذها. وقد أشارت الأبحاث إلى أن مجرد استبدال حصة واحدة من لحم البقر بحصة من الدجاج مرة أسبوعياً يؤدي إلى توفير 710 كيلوجرامات من ثاني أكسيد الكربون سنوياً للشخص الواحد.

ولا يعني ذلك بالضرورة التحول إلى النظام النباتي بنسبة 100%، لكن يعني حذف بعض الأشياء المضرة واستخدام المزيد من الدواجن أو الأسماك. ويمكنك تخصيص رمضان لتجربة أطباق جديدة أكثر فائدة من الناحية المناخية أو يمكنك تعديل الوصفات في برامج الطبخ المفضلة لديك عن طريق استبدال مكونات أكثر استدامة باللحوم ومنتجات الألبان.

الاستعانة بوسائل التواصل الاجتماعي

إذا لم يكن ما تشاهده على شاشة التلفزيون ملهماً بدرجة كافية أو لا يتماشى مع قناعاتك البيئية، يمكنك اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي تمتلئ بطهاة ومؤثرين يقدمون أطعمة شهية وصديقة للمناخ

وتحقق هذه الفيديوهات ملايين المشاهدات؛ لأنها أكثر استدامة من الأنظمة الغذائية الغنية باللحوم، وهي دليل على أنه من الممكن حث الناس على مشاهدة مقاطع فيديو لإعداد الطعام بدون لحم؛ ما يدحض فكرة منتجي التلفزيون الذين يروجون أنه من الصعب للغاية بيع البرامج النباتية للشبكات؛ لأن الناس لا يريدون مشاهدة ذلك ويرغبون في طعام لذيذ مليء باللحم والجبن.

تقليل الهدر وتدوير بقايا الطعام

إن إعداد الغذاء يتطلب قدراً هائلاً من الموارد لزراعة الطعام وطهيه وتخزينه وتبريده وإيصاله إلى المائدة، وبمجرد إلقائه في مكب النفايات، فإنه يطلق غاز الميثان، وهو غاز مسبب للاحتباس الحراري؛ ما يزيد بصمة الغازات الدفيئة الناجمة عن الطعام بشكل كبير.

لذلك يجب أن تنسى هذه الصورة التي تتراكم فيها مكونات الطعام في برامج المطبخ؛ لأنه في الحياة الواقعية يجب الحفاظ على الطعام وتقليل الهدر في مطبخك، والبحث عن مصادر إلهام جديدة تساعدك على إعادة تدوير البقايا. والنتيجة النهائية تعتمد على الطعم وحسن الاستغلال.

أدوات المطبخ

برامج الطبخ مليئة بأدوات الطهي المتخصصة؛ بدءاً من الخلاطات العالية السرعة وحتى أجهزة صناعة الآيس كريم، وهذه إحدى العادات السيئة التي تروجها البرامج التلفزيونية؛ حيث تحث على امتلاك أحدث الأدوات؛ ما يشجع على زيادة التسوق والاستهلاك المفرط للطاقة، وزيادة النفايات مستقبلاً. ويجب أن تسألي نفسك أولاً: هل أنت بحاجة إلى كل هذه الأدوات الفاخرة لإعداد طبق جميل وشهي أم يمكنك الاكتفاء بما لديك؟

ظهور برامج الطهي التلفزيونية عبر البلدان يمكن أن يمثل وسيلة إعلامية قوية لتثقيف الملايين من المستهلكين حول الغذاء، والاستفادة من هذه الصناعة القوية بما لديها من قدرة على تشجيع الجمهور على تبني سلوكيات غذائية مناخية أكثر إيجابية، ولكن برامج الطبخ حول العالم تبدو حتى الآن مجرد فرصة ضائعة وغير مستغلة.