ثورة الدراجات.. وسيلة خضراء تخدم أصحاب الأعمال وتجعلك "الموظف المثالي"


مروة بدوي
الخميس 27 فبراير 2025 | 07:59 مساءً

في أواخر القرن التاسع عشر ظهر اختراع الدراجة الذي بدّل شكل المجتمعات، حيث مثّلت تقنية ثورية غيّرت العالم، ويمكن تشبيه تأثيرها بالهواتف الذكية في عصرنا الحالي، وفي غضون سنوات قليلة، تخلّى كثيرون عن الخيول والعربات باهظة الثمن لصالح الدراجة التي أصبحت أسرع وسيلة نقل على الطرق بفضل تصميمها الأنيق، وخفة وزنها، وأسعارها المعقولة، وسهولة صيانتها.

ومع مرور الوقت، أدرك البشر أن "ثورة الدراجات" لم تقتصر على عالم النقل فحسب، بل امتدت فوائدها لتشمل جوانب متعددة تصب في مصلحة الجميع، فأصبحت الدراجة الوسيلة الخضراء المفضلة للكثيرين، نظراً لدورها الفعّال في تقليل الانبعاثات الكربونية ودعم البيئة، فضلاً عن فوائدها الصحية والاقتصادية.

الفوائد الصحية 

يوصي خبراء الصحة بممارسة نشاط بدني متوسط لمدة 30 دقيقة على الأقل يومياً، ويمكنك تحقيق ذلك عبر ركوب الدراجة، فهي رياضة تناسب الجميع بغض النظر عن العمر أو مستوى اللياقة، وتحمل العديد من الفوائد الصحية، منها: تقوية عضلات الجسم وخاصة الساقين، وتعزيز صحة القلب والأوعية الدموية، وتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، والحفاظ على وزن صحي.

 

كما يعمل ركوب الدراجة على تحسين الحالة النفسية والعقلية، والتي تساعد في تقليل التوتر وتحسين المزاج بسبب انخفاض مستويات القلق، وإطلاق مواد كيميائية في المخ تشعرك بالسعادة، وتحسن كفاءة النوم مع انخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب.

الفوائد المجتمعية 

زيادة عدد الدراجات الهوائية يعني انخفاض عدد السيارات مما قد يؤدي إلى بيئة طرق أكثر أماناً، ويمكن للأطفال الاستفادة من حركة المرور الأبطأ والأقل خطورة لركوب الدراجات أيضاً.

ويساهم إنشاء مرافق مشتركة لركوب الدراجات والمشاة في خلق فوائد للمشاة والأشخاص ذوي الإعاقة، وتحسين معابر الطرق، كما يتيح ركوب الدراجة التواصل والتفاعل الاجتماعي وتنامي شعور الارتباط بالمجتمع المحلي.

الفوائد البيئية

البيئة من أكثر المستفيدين من هذا النشاط الأخضر الخالي من التلوث، حيث يسهم استخدام الدراجة بدلاً من السيارة في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وبالتالي خفض الانبعاثات الكربونية إلى الحد الأدنى، حيث يشكل ثاني أكسيد الكربون نحو 95 إلى 99% من انبعاثات الاحتباس الحراري العالمي التي تطلقها السيارات، وفقاً لوكالة حماية البيئة "EPA".

وتعمل الدراجات على تقليل الحاجة إلى صناعة السيارات وصيانتها، كما يحافظ ركوب الدراجة على الطرق ويوفر أماكن انتظار المركبات، والتي يمكن تحويلها إلى حدائق حضرية.

أصحاب العمل

حتى أصحاب الشركات والمدراء يستفيدون من اعتماد الموظفين على الدراجة من أجل الذهاب إلى العمل، هذا ما أثبتته دراسة أجراها المعهد الفنلندي للصحة المهنية، والتي توصلت إلى أن الموظفين والعمال الذين يتنقلون بالدراجة أقل طلباً للإجازات المرضية، مقارنة بزملائهم الذين يستقلون المركبات ووسائل النقل العام.

وحلل فريق البحث البيانات الذاتية لـ28 ألف عامل في الحكومة المحلية على مدار عام كامل، وبمقارنة النتائج مع التنقل بالسيارة أو وسائل النقل العام،  فإن ركوب الدراجة لمسافة 61 كيلومتراً أسبوعياً ارتبط بانخفاض نسبة الإجازات المرضية بنسبة من 8 حتى 12%، مع انخفاض احتمالات الغياب المرضي الطويل، لمدة 10 أيام على الأقل، بنسبة 18%.

وتتطابق هذه الدراسة مع نتائج الأبحاث السابقة، والتي أكدت أن ركوب الدراجات من أفضل الممارسات الرياضية للحفاظ على صحة الإنسان ونشاطه ليس فقط الجسدي، ولكن أيضاً العقلي، حيث يعزز التفكير الإبداعي والإنتاجية والكفاءة.

كل هذه الأسباب تجعلك أقل طلباً للإجازات المرضية وأكثر كفاءة ونشاطاً في أداء مهامك، مما يعود بالنفع على مسيرتك المهنية، وربما تكون الدراجة سبباً في حصولك على لقب "الموظف المثالي"، وكل ذلك يصب في مصلحة صاحب العمل.

العالم العربي

بدأ الاهتمام بركوب الدراجات يتزايد في العالم العربي، نتيجة نشر الوعي بفوائد الدراجات والتشجيع على  استخدامها، وباتت الدراجة خياراً متاحاً في عدد من الدول بعد بناء مسارات آمنة ومخصصة داخل المدن. 

ونجد داخل المملكة العربية السعودي، الاتحاد السعودي للدراجات والذي يهدف إلى تحفيز المجتمع على ممارسة رياضة ركوب الدراجات، وتشجيع الشباب على ممارسة النشاط الرياضي والحفاظ على الصحة، بجانب تطوير وتنفيذ البرامج الملائمة لراكبي الدراجات والرياضيين للتنافس العالمي.

ويسعى الاتحاد إلى نشر رياضة ركوب الدراجات في جميع أنحاء المملكة بحلول عام 2030، بالتزامن مع رؤية السعودية 2030، مع إنشاء عدة مسارات للدراجات في أنحاء المملكة، منها مسارات الرياض، ومسارات جدة، ومسارات أبها.

بالإضافة إلى تخطيط المملكة لإنشاء مسارات جديدة  للدراجات ضمن خطة النقل المستدام داخل المدن المضيفة لكأس العالم 2034، وتقديم وسيلة نقل صحية وصديقة للبيئة حول الملاعب.

وفي تونس الخضراء، ربما ساعدت طبيعة البلاد ومناخ سواحلها المتوسطية إلى تبني الشعب التونسي لركوب الدراجة منذ عدة عقود، مع تحول الدراجة إلى ظاهرة مجتمعية يمكن مشاهدتها يومياً في الطرقات وعلى أبواب المدارس والجامعات، وتزايد دعوات عدة جمعيات تونسية لاستعمال الدراجات الهوائية وتخصيص مسارات خاصة لها.

ويعد التحول إلى الدراجات الهوائية هو أحد أهم العوامل التي تساعد على تطوير المدن المستدامة؛ لذلك يجب تعزيز ثقافة ركوب الدراجات، وإقامة العديد من الفعاليات والمسابقات المرتبطة بالدراجات حتى تصبح وسيلة نقل شائعة ومستدامة في المستقبل القريب.