تشهد المنطقة العربية تغيرات مناخية حادة خلال العقد الأخير، إذ تغيرت أنماط الطقس بشكل ملحوظ، من تراجع كميات الأمطار إلى اضطراب توقيتها وشدتها، مما يهدد مصادر المياه العذبة ويزيد من أزمات الشحّ المائي المزمنة في عدد من الدول.
ففي حين كانت بعض المناطق تعتمد تقليدياً على أمطار موسمية لري الأراضي الزراعية وتغذية الخزانات الجوفية، أصبح الهطول المطري غير منتظم، ويتكرر حدوث أمطار غزيرة مفاجئة تتسبب بفيضانات بدلاً من تعزيز المخزون المائي، نقلاً عن "WMO".

تحديات مائية بفعل التغير المناخي
وبحسب تقرير أصدره البنك الدولي في عام 2023 بعنوان "المناخ والمياه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: تحديات واستجابات"، فإن المنطقة تُعد من بين أكثر المناطق جفافاً في العالم، وتعتمد بشكل كبير على مصادر المياه غير المتجددة مثل المياه الجوفية، التي تتعرض للاستنزاف نتيجة الاستهلاك المفرط وتراجع التغذية الطبيعية بفعل نقص الأمطار.
كما أشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) لعام 2024، إلى وجود تراجع في معدلات الأمطار السنوية بنسبة تصل إلى 20% في بعض أجزاء شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بينما ازدادت درجات الحرارة بمتوسط 1.5 درجة مئوية عن مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مما أدى إلى زيادة التبخر وانخفاض مستويات الأنهار والبحيرات.

تراجع ملحوظ في مياه نهر الأردن
يعاني نهر الأردن، أحد أهم الموارد المائية في المنطقة، من تراجع حاد في مستواه، حيث انخفضت جودة وكمية المياه بشكل ملحوظ من 1.3 مليار متر مكعب سنوياًَ إلى ما بين 70 و100 مليون متر مكعب سنوياَ فقط، ويرجع هذا الانخفاض إلى زيادة هائلة في الطلب، مدفوعة بحقيقة مفادها أن أعداد سكان الدول المطلة على النهر تضاعفت على مدى السنوات السبعين الماضية.
في المقابل، تسعى بعض الدول لإيجاد حلول، مثل اللجوء إلى "تحلية المياه" و"إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة"، لكن هذه الحلول ما زالت باهظة التكلفة وتتطلب استثمارات ضخمة.
كما أن الاعتماد الكبير على المياه الجوفية يؤدي إلى استنزاف غير قابل للتجديد في بعض المناطق.
تُحذر الأمم المتحدة في تقاريرها المناخية المتكررة من أن ندرة المياه ستؤثر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الدول العربية، ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة للتكيّف مع الواقع المناخي الجديد.
وفي هذا الصدد، فإن التغير في أنماط الطقس لم يعد ظاهرة مستقبلية، بل واقع يومي يؤثر على الزراعة، الشرب، والصحة العامة، ويتطلب من صناع القرار، إلى جانب المجتمعات، إعادة التفكير الجذري في كيفية إدارة المورد الأهم "الماء".