بعد مرور ما يزيد عن 10 أيام من الشهر الكريم، تعود"جرين بالعربي” لتكمل النقاش حول دراما رمضان في عصر التغير المناخي.
في المقال السابق، تساءلنا عن الثمن الذي تدفعه الأرض مقابل أرقام المشاهدات أو سباق التريلرات، أما اليوم، سوف نطرح سؤالا مختلفا:هل تحتاج كل قصة درامية جديدة… إلى أزياء جديدة؟
240 طناً من النفايات.. التكلفة البيئية للدراما
الأكثر قراءة
الدراما ليست ترفاً، هي واحدة من أقوى أدوات التأثير الثقافي والمجتمعي، لكن خلف هذا التأثير، هناك أثر بيئي ضخم لا يُرى.
وقد ينتج عن فيلم أو مسلسل واحد ما يقارب 240 طنًا من النفايات، جزء كبير منها يعود إلى الأزياء، والإكسسوارات، والمفارقة الأكبر؟
نحو 60٪ من هذه الأزياء الجديدة في الإنتاجات الكبرى ينتهي بها الأمر في المخازن أو القمامة بعد انتهاء التصوير، حسب شبكة NPR وموقع Wifi Talents
وإذا طبقنا هذا الرقم على موسم رمضان الحالي، الذي يضم نحو 40 مسلسلًا، سوف تتخيل حجم الاستهلاك والنفايات، وخاصة في الأعمال التاريخية أو التي تدور في حقبة زمنية معينة وتتطلب أزياء مخصصة.
معادلة بسيطة:
إنتاج أزياء جديدة لكل مسلسل= مياه + طاقة + اقمشة+ نفايات غير قابلة للتحلل+ انبعاثات كربونية تتراكم سنويًا
المشكلة ليست في عمل واحد، بل في نموذج إنتاج يتكرر سنويًا، هنا يعود السؤال الجوهري:
هل يعني إنتاج المسلسلات..بالضرورة زيادة الاستهلاك والهدر؟
الإجابة: لا.
وهذا هو الدليل.
"هبة رجل الغراب".. النجاح لا يحتاج دائماً إلى الجديد
في الدراما العربية، قدم المسلسل درساً ذكياً ومستداماً، فإطلالات "هبة"، التي جسدتها إيمي سمير غانم، لم تصمّم خصيصاً للمسلسل، بل اعتمدت على ملابس من الخزانة القديمة لوالدتها، النجمة الراحلة دلال عبد العزيز.
وعندما علم الجمهور بهذه القصة لم يسخر ولم يشكك في جودة الإنتاج ، بل على العكس ارتبط بالشخصية أكثر، واستعاد تاريخ هذه القطع، التي ظهرت بها دلال عبد العزيز في أعمال قديمة.
والنتيجة نجاح وانتشار أكبر، لأن الملابس بدت كلاسيكية، وقريبة للمشاهد، فإعادة توظيف الملابس القديمة هنا لم يكن حلاً بيئياً فقط، بل قرارًا إبداعيًا عزز المصداقية.
"إيميلي في باريس"…الأناقة المستدامة
عالمياً، قدّم إيميلي في باريس نموذجاً أكثر صخباً وأكثر وعياً من المسلسل العربي.
بعد ٥ مواسم من المسلسل، تحولت البطلة "إيميلي" الى مؤثرة في عالم الفاشون، لكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذه الأناقة الصاخبة لم تعتمد على خزائن ضخمة، بل على فلسفة واضحة قادتها مصممة الأزياء ماريلين فيتوسي.
منذ الموسم الأول، اعتمدت فيتوسي على قطعاً مستعملة و "قينتاج" ربما كان السبب في البداية الميزانية المحدودة، لكنه بات بعد ذلك هوية بصرية للمسلسل.
وخلال المواسم اللاحقة تطورت الفكرة واعتمد فريق العمل على قطع من أرشيف الموضة
لدور أزياء معروفة، إلى جانب آلاف القطع المستعارة من بيوت تأجير الملابس، دون الحاجة لتصاميم جديدة.
نجح المسلسل في دمج مفاهيم الموضة البطيئة والتأجير وسوق الملابس المستعملة داخل الدراما، وأصبح مثالاً يُحتذى به في الأناقة المستدامة، والنتيجة لم تكن تقليل تكاليف الإنتاج فقط، بل صناعة ترند عالمي.
وهنا تتضح العلاقة بين هبة وإيميلي.. كما منحت الملابس الفينتاج " هبة" صدقًا، منحت القطع المستعملة "إيميلي" تأثيرًا عالميًا، وكلا المسلسلين أثبتا ان الدراما تستطيع ان تبهرنا على الشاشة..دون أن تثقل على الأرض.
دراما ناجحة ومسؤولة
التحول إلى دراما أكثر استدامة ليس حلماً مثالياً، وتجارب النجاح التي تحدثنا عنها قدمت حلولا فعلية، لكنها تحتاج فقط إلى قرارات إنتاجية إبداعية.
في “جرين بالعربي”، لا ننظر إلى الدراما كخصم للبيئة، بل كأداة قادرة على قيادة التحول..
وإذا كانت الدراما قادرة على تغيير أفكار الجمهور فهي قادرة أيضًا على الجمع بين النجاح ومصلحة البيئة لأن التحول إلى دراما مسؤولة بات ضرورة أخلاقية ومناخية واستثمار طويل المدى