أزمة المناخ.. ما علاقتها باحتجاجات المزارعين في أوروبا؟


سلمى عرفة
الاربعاء 14 فبراير 2024 | 07:29 مساءً

احتجاجات تشهدها القارة الأوروبية منذ عدة أسابيع؛ حيث امتلأت شوارع المدن المؤدية إلى المقرات الحكومية بـ"جرارات زراعية"؛ اعتراضاً من بعض المزارعين على سياسات الاتحاد الأوروبي الخاصة بالزراعة، باعتبار أنها تزيد صعوبة الإنتاج الزراعي.

وفي تحليل أجراه موقع "Carbon Brief" على 7 بلدان أوروبية شهدت احتجاجات شملت فرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، واليونان، وبولندا، وليتوانيا، كان 17 من أصل 23 قضية تناولتها التظاهرات، تتعلق بقضية التغيرات المناخية أو إجراءات حماية البيئة.

احتجاجات المزارعين- مصدر الصورة: رويترزاحتجاجات المزارعين- مصدر الصورة: رويترز

مطالب بزيادة الحماية

جملة من الأسباب تقف خلف الاحتجاجات التي بدأت في فرنسا، وانتقلت إلى أنحاء مختلفة من القارة؛ حيث انقسم المزارعون إلى فريقين؛ أحدهما يرفض السياسات المطروحة لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، والآخر يُطالِب بالمزيد من الحماية في مواجهة الكوارث الطبيعية.

في رومانيا الواقعة جنوب شرق أوروبا، شملت الاحتجاجات الحديث حول التعويض المنخفض الذي يحصل عليه المزارعون المتضررون من الجفاف الذي تتزايد حدته، في وقت تتجاوز فيه نسبة المزارعين 18% من إجمالي القوى العاملة في الدولة الأوروبية، لتعلن الحكومة لاحقاً عن حزمة مساعدات بقيمة 165 مليون يورو.

مزارعو اليونان التي توالت عليها الموجات الحارة وحرائق الغابات ثم الأمطار الغزيرة والفيضانات، طالبوا بزيادة التعويضات، وتوفير بنية تحتية تحمي أراضيهم من موجات الطقس المتطرف؛ حيث دمرت الفيضانات الناتجة عن العاصفة دانيال، في سبتمبر 2023، خُمس محصولها من القطن، ومساحات من محصول الذرة وأشجار الفواكه، وتسببت في نفوق 200 ألف رأس من الثروة الحيوانية؛ حيث قُدِّر إجمالي الخسائر التي تكبَّدها الاقتصاد اليوناني بـ5 مليارات يورو، حسب هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

فيضانات اليونان- مصدر الصورة: رويترزفيضانات اليونان- مصدر الصورة: رويترز

حلول مرفوضة

رغم الأضرار المباشرة الواقعة على المزارعين من جراء التدهور البيئي، هناك جانب آخر للاحتجاجات دار حول رفض مجموعة من الحلول المطروحة لمواجهة هذا التدهور، وسط تشكيك من العديد منهم في جدواها.

يقول جو أوبلس نائب رئيس إحدى المجموعات الهولندية المشارِكة في تنظيم الاحتجاجات – في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" – إن القواعد التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على المزارعين، لا تخدم البيئة بأي شكل، مثل خطة خفض استخدام مبيدات الآفات إلى النصف بحلول 2030، التي سحبها الاتحاد لاحقاً استجابةً لضغط المزارعين.

تشمل الأضرار البيئية لإنتاج المبيدات الحشرية زيادة الانبعاثات الكربونية، وتلوث التربة والمياه، واحتواءها على مركَّبات سامة لعددٍ كبير من الكائنات المفيدة وغير المستهدف القضاء عليها، لكن المزارعين يخشون تراجع كميات المحاصيل من جراء تقليل استخدامها تطبيقاً لسياسة الاتحاد الأوروبي.

قبل عدة سنوات، حاول مجموعة من الباحثين في فرنسا دراسة العوامل التي تتحكم في رؤية المزارعين لكيفية استخدام المبيدات الحشرية، وأظهرت النتائج التي نشرها موقع "Hal Science" عام 2020 أن وجود دخل إضافي من مصدر آخر غير النشاط الزراعي، والاعتقاد بإمكانية الحفاظ على الإنتاجية في ظل تقليل المبيدات، يندرجان ضمن العوامل التي تشجع المزارعين على الالتزام بسياسات خفض استخدام المبيدات.

منافسة غير عادلة

المزارعون المعارضون لسياسات الاتحاد الأوروبي ينتقدون كذلك إجراءات أخرى لا تزيد الأعباء عليهم فحسب، بل قد يكون لها تكلفة بيئية كذلك، ووفقاً لروايتهم، فإن أسعار الواردات الأجنبية، لا سيما الواردات الأوكرانية، أدخلت السوق الأوروبية في حالة من المنافسة غير العادلة التي بات عليهم مواكبتها.

بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، اتخذ الاتحاد الأوروبي قراراً برفع القيود عن الواردات الزراعية القادمة منها، والتنازل عن الرسوم المفروضة عليها؛ ما أدى إلى انخفاض أسعارها؛ حيث ضاعفت الحرب حجم الواردات من منتجات الأغذية الزراعية الواردة إلى الاتحاد الأوروبي من أوكرانيا في العام الأول منها؛ لترتفع من أقل من 8 مليارات دولار في 2021، إلى 16 مليار دولار في 2022، وفقاً لموقع مركز الدراسات الشرقية في بولندا "OSW".

من زاوية بيئية، فإن المحاصيل المستوردة تُحدِث قدراً أكبر من الأضرار إثر تزايد حجم الانبعاثات الناتجة عن أنشطة النقل والتخزين، مقارنةً بالمحاصيل المُنتَجة محلياً؛ حيث خلصت دراسة نشرتها دورية "Nature Food" في عام 2022، إلى أن البصمة الكربونية لاستيراد الطعام حول العالم، قد تكون أعلى من البصمة المُقدَّرة سابقاً بفارق يتراوح بين 3.5 و7.5 ضِعف؛ ما يعني أن نقل الطعام يمثل نحو 20% من إجمالي الانبعاثات الناتجة عن قطاع الأغذية.

مخاوف من الاتفاقية بين أوروبا و"ميركوسور"

المزارعون يخشون أيضاً صفقات قيد الدراسة تطمح القارة العجوز إلى تنفيذها، إثر تجدد المحادثات بشأن الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة "ميركوسور" الاقتصادية، التي تضم الأرجنتين، والبرازيل، وأوروجواي، وباراجواي؛ حيث وافق عليها الاتحاد عام 2019 من حيث المبدأ، لكنه عاد إلى المفاوضات مجدداً من أجل تنفيذ المزيد من الالتزامات البيئية.

ستفتح الاتفاقية الأسواق الأوروبية أمام العديد من البضائع اللاتينية، برسوم جمركية تفضيلية قد تصل إلى حد الإعفاء التام لبعض السلع، مثل الدواجن؛ ما يعزز حالة المنافسة التي يشكو منها المزارعون. وتلك الرسوم التفضيلية تشمل استيراد ما يقرب من 100 ألف طن من اللحم البقري سنوياً، الذي يتسبب إنتاجه في انبعاث كميات كبيرة من غاز الميثان الذي يساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري، حسب "فرانس 24