"أبو قردان" في أزمة.. لماذا يهجر الحقول ويتسكع بين أكوام القمامة؟


سلمى عرفة
الجمعة 07 يونية 2024 | 11:24 صباحاً

سائراً بخطوات واثقة بين الحقول، اعتاد طائر بلشون القطعان على البحث عن طعامه المفضل الذي عادةً ما يختفي بين ثنايا التربة؛ من حشرات، وديدان، وفئران أو ضفادع صغيرة، ليقدم بذلك خدمة عظيمة للمزارعين الذين يحاولون مواجهة تلك الكائنات التي تهدد محاصيلهم.

"بلشون القطعان" هو الاسم غير الشهير للطائر الذي ينتشر في بلدان العالم العربي والعالم، ويُطلق عليه أسماء مختلفة؛ فهو "أبو قردان"، أو "الغرنوق"، أو "طير بقر"، الذي يُمثل، منذ آلاف السنين، مكوناً هاماً من البيئة الزراعية.

أبو قردان والقمامة

أبو قردان لم يشفع له دوره البيولوجي الهام كي ينجوَ من التهديدات البيئية التي طالت العديد من الكائنات الأخرى؛ فعلى مدى السنوات الأخيرة، انتشرت مشاهد متكررة للطائر المعروف بكونه صديقَ الفلاح، وهو يبحث عن الطعام وسط مخلفات القمامة في طرقات المدن، بدلاً من موقعه المعتاد وسط الحقول.

في حديثها إلى "جرين بالعربي"، تقول الدكتورة نجلاء العرباني الأستاذة المساعدة في كلية العلوم والدراسات الإنسانية بجامعة شقراء السعودية والأستاذة المساعدة في كلية العلوم بجامعة دمياط بمصر، إن طيور "أبو قردان" تهجر المناطق التي تُرش بالمبيدات الحشرية، وتلجأ إلى أكوام القمامة والمخلفات التي تكثر بها المواد العضوية المتحللة، بحثاً عن الديدان والحشرات.

مصدر الصورة: رويترزمصدر الصورة: رويترز

وبلغ حجم السوق العالمية للمبيدات الحشرية في 2022، ما يقرب من 20 مليار دولار أمريكي، وسط توقعات بارتفاعه إلى نحو 30 مليار دولار بحلول عام 2027، وفقاً لموقع "Statista" للإحصائيات.

قبل عدة سنوات، شاركت "العرباني" في دراسة نشرتها المجلة الإفريقية للعلوم البيولوجية، وهي الدراسة التي تطرقت إلى آثار تلوث البيئة على طيور أبو قردان، وإلى الدور الذي يمكن أن تلعبه كذلك في مواجهته.

في حديثها إلينا، تشير "العرباني" إلى أن الكائنات الحية عادةً ما تُطور استجابات بيولوجية لمواجهة تراكم المعادن الثقيلة في البيئة الناتج عن الأنشطة البشرية، ومن ثم يمكن استخدام تحليل تلك الاستجابات مؤشراً حيوياً على وجود تلك الملوثات.

نتائج الدراسة المنشورة عام 2019، التي تناولت منطقة دمياط الجديدة بمصر، أشارت إلى أن طيور أبو قردان الموجودة في المناطق الصناعية عانت من انخفاض في عدد كرات الدم الحمراء، وزيادة عدد كرات الدم البيضاء، وتغير مستويات وظائف الكُلى والكبد؛ ما يعني تأثرها سلباً بالتركيزات المرتفعة للمعادن الثقيلة التي شملتها عينة البحث، مثل الرصاص، والزنك، والكادميوم.

الاستعانة ببلشون القطعان في تقييم درجة التلوث، أيدتها كذلك دراسة لاحقة نشرتها دورية "Environmental Chemistry and Ecotoxicology" في نهاية 2023، خلصت إلى أنه يمكن الاستعانة به مؤشراً لقياس وجود الملوثات العضوية الثابتة "POPS"، من خلال تحليل البيض الذي يضعه.

والملوثات العضوية الثابتة هي مواد سامة تبقى من دون تحلل لفترات طويلة للغاية، وتضر بالبيئة، وبصحة الإنسان والكائنات، ويجري استخدامها في مجالات مختلفة مثل تصنيع المبيدات، وفقاً لموقع برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

مؤشر شبه عالمي

وفقاً للدراسة، هناك عدة مزايا تؤهل الطائر ليكون "مؤشراً شبه عالمي"، من بينها انتشاره بأعداد كبيرة في مناطق مختلفة من العالم، وأن بيضه كبير الحجم نسبياً ويسهل جمعه، كما أنه لا يزال خارج قائمة الكائنات المهددة.

تشير "العرباني"، في حديثها إلينا، إلى أنه رغم أن "أبو قردان" لا يُعَد من الكائنات المهددة بفعل ظاهرة التغير المناخي، فإن ارتفاع درجة الحرارة الناتج عنها أثر على مناطق انتشاره، وجعله يصل إلى مناطق لم يسكنها من قبل، مثل مدينة سومرست بإنجلترا، بعدما كان للمناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، النصيب الأكبر من موائله.

وبجانب العالم العربي، يوجد "البلشون" في شرق قارة آسيا وجنوبها، وأستراليا، وفي الأجزاء الجنوبية من قارة أوروبا.

تضيف العالِمة المتخصصة في علم وظائف الحيوان أن انتشار أبو قردان في العديد من الدول ذات الأنشطة البشرية والصناعية في مواقع جغرافية مختلفة، يُمكِّن العلماء من المقارنة بين تلك البلدان مع "تثبيت مقياس المقارنة"، وهو الطائر نفسه؛ ما ينتهي بنتائج ذات مصداقية أعلى.

وتابعت أن الأنشطة المتنوعة لبلشون القطعان يمكن استخدامها لقياس التلوث في كلٍّ من المياه واليابسة؛ إذ يسكن الأشجار الموجودة على ضفاف المسطحات المائية كالأنهار، والترع، ويقضي معظم وقته على اليابسة، لكنه يضع بيضه في المياه.

"أبو قردان" واتفاقية ستوكهولم

الدراسة المنشورة في عام 2023 لفتت إلى أنه يمكن الاستعانة بالطائر في مراقبة تنفيذ اتفاقية ستوكهولم بشأن الملوثات العضوية الثابتة، التي وقعت عليها 186 دولة، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2004، وتهدف إلى منع أو تقييد إنتاج تلك الملوثات واستخدامها، ومنها مبيدات الـ"دي دي تي" الحشرية.