تاركاً أرضه وماله، مودعاً ذكريات لطالما أسعدته، يرحل اللاجئ المناخي دون وجهة محددة يعرف أنها مُستقَرُّه ومَلاذه، بعد أن حاصرته الكوارث الطبيعية، سواء كانت إعصاراً أو فيضاناً أو موجةَ جفافٍ.
الكوارث الطبيعية تشترك في آثارها المدمرة، التي تجبر الناجين منها على مغادرة الوطن الذي سكنوه لسنوات طويلة، والانتقال نحو المجهول الذي قد يكون أكثر رفقاً بهم.
تدفق المهاجرين على مناطق أخرى، سواء داخل الدولة أو خارجها، يعني المزيد من الضغط على مواردها المحدودة بطبيعة الحال
اللجوء المناخي
خلال السنوات الأخيرة، تزايد التركيز على مصطلح "لاجئي المناخ" الذين ينتقلون من دولة إلى أخرى بفعل الكوارث الناتجة عن التغير المناخي.
النسبة الكبرى من النزوح بفعل الكوارث الطبيعية لا تزال نزوحاً داخليّاً في نطاق الدولة التي يعيش فيها المتضررون، لكن التوقعات تشير إلى زيادة معدلات الهجرة الخارجية للسبب نفسه.
وفقاً لتقرير صادر عن معهد الاقتصاد والسلام "IEP"، فإن من المتوقع أن يجبر التغير المناخي 1.2 مليار شخص على الفرار من أماكن إقامتهم بحلول عام 2050.
تدفق المهاجرين على مناطق أخرى، سواء داخل الدولة أو خارجها، يعني المزيد من الضغط على مواردها المحدودة بطبيعة الحال؛ إذ تمثل زيادة عدد السكان في المناطق المضيفة ضغطاً على الخدمات، وتزيد من الحاجة إلى توفير مناطق سكنية، ومزيد من التركيز على الأنشطة البشرية هناك.
البعض يربط كذلك بين تدفق المهاجرين على دول بعينها، وبين زيادة الانبعاثات التي تتسبب بها؛ فعلى سبيل المثال ارتفعت انبعاثات غازات الدفيئة في المملكة المتحدة في الفترة بين عامي 1991 و2009 بنحو 190 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون؛ لعوامل عديدة، من بينها معدلات الهجرة إلى المملكة، وفقاً لموقع Migration Watch UK.
وفي تحليل نشرته دورية PLOS عام 2021، يرتفع متوسط نصيب الفرد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في الدول التي سجلت معدلات هجرة صافية إليها بفارق يقرب 3 مرات تقريباً، مقارنة بالدول التي يهاجر منها الأفراد.
الهجرة المناخية في الشرق الأوسط
في منطقة الشرق الأوسط التي تزيد فيها درجات الحرارة بمعدل أسرع بمرتين من المعدل العالمي، أدت الكوارث الطبيعية إلى إجبار الملايين على مغادرة المناطق التي يعيشون فيها.
في 2021 وحدها، أجبرت الكوارث البيئية نحو 3 ملايين شخص على الفرار من منازلهم، وفقاً لموقع معهد الشرق الأوسط.
البلدان التي قد يلجأ إليها الفارون أولاً ليس بالضرورة أن تكون دولاً غربية؛ فالدول المجاورة في المنطقة غالباً ما تكون المحطة الأولى التي يتخذها كثيرون للعبور إلى مناطق أفضل، مثل لبنان، والمملكة الأردنية، وهو ما يضع المزيد من الضغط على تلك الدول.
حصار مناخي
هناك جانب آخر من القضية أكثر قتامةً، وهو كيف تؤدي التغيرات المناخية إلى تزايد معدلات الفقر، وتراجع النمو الاقتصادي لدرجة تجعل سكان بعض الدول غير قادرين على الهجرة إلى بلدان أخرى، ليواجهوا تداعيات تهدد الحياة.
وكشفت دراسة أجراها معهد "بوتسدام" لأبحاث التغيرات المناخية "PIK" أن من الأسباب التي قد تُعِيق هجرة سكان الجنوب العالمي – وهو مصطلح يشير إلى قارات أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية – هو تراجع التنمية الاقتصادية بفعل العوامل البيئية.
يقول جاكوب شيوي رئيس مختبر المستقبل بالمعهد، إن التغير المناخي أدى إلى زيادة معدلات الهجرة، لكن بمعدلات أقل مما كان متوقعاً؛ فالكثير ممن يعيشون في بلدان فقيرة لا يمتلكون وسيلة للسفر، ومن ثم ليس أمامهم خيار سوى البقاء في المكان نفسه.
الرغبة في الهجرة من المنطقة قد تدفع الشباب إلى تعريض حياتهم للخطر باللجوء إلى الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط
لاجئ غير معترف به
هناك أزمة أخرى هي أن القانون الدولي لا زال ممتنعاً عن منح صفة "اللاجئ" للمهاجرين بسبب التغيرات المناخية رسمياً؛ لأن فكرة المغادرة القسرية لا تنطبق على الجميع.
على سبيل المثال، غالباً لا يجري الربط بين السفر من دول الشمال الإفريقي بالظروف البيئية، رغم أن الواقع يقول إن هناك علاقة بين تآكل الأراضي الزراعية والتصحر في المنطقة وبين السفر إلى الخارج، وفقاً لتحليل نشره المركز العربي واشنطن دي سي.
الرغبة في الهجرة من المنطقة قد تدفع الشباب إلى تعريض حياتهم للخطر باللجوء إلى الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط.