هل شاهدت بالصدفة أثناء تصفح هاتفك حلقة من دقيقة أو دقيقتين، بطلها يقف أمام الكاميرا في وضع رأسي، والقصة تنتهي بمفاجأة تدفعك للضغط على "الحلقة التالية"؟
إن كانت الإجابة نعم، فأنت شاهدت على الأرجح أحد أعمال الدراما العمودية، أو ما يُعرف عالمياً بـالـ "Micro-Drama”.
هذا الشكل الدرامي الجديد، الذي اجتاح العالم خلال سنوات قليلة، لا يثير فقط أسئلة عن مستقبل صناعة المحتوى الفني، لكنه يفتح نقاشاً هاماً حول الأثر البيئي.. هل يمكن لهذا النوع السريع والمكثف من الإنتاج أن يكون أخف وطأة على كوكبنا من الدراما التقليدية؟
ما هي الدراما العمودية؟
الدراما العمودية هي أعمال درامية تُصور بنسبة أبعاد رأسية لتناسب شاشة الهاتف الذكي، وعادة ما تتراوح مدة الحلقة بين 60 و180 ثانية، بينما قد يتجاوز عدد حلقات العمل الواحد 100 حلقة، ليعادل في مجموع مدته فيلماً طويلاً أو أكثر.
من الصين إلى العالم العربي
بدأ انتشار الدراما العمودية في الصين بين عامي 2018 و2022، مستفيدة من زيادة عدد مستخدمي الهواتف الذكية والشعبية الواسعة التي اكتسبتها منصات مقاطع الفيديو القصيرة، لتحقق قفزة نجاح ملحوظة خلال فترة جائحة كورونا.
بمرور الوقت، انتقل هذا النوع من المحتوى إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مع توقعات بمواصلة النمو خلال السنوات المقبلة، حتى يصل حجم السوق العالمي للدراما العمودية إلى ما بين 11 و14 مليار دولار في 2025-2026، وفقاً لتقديرات شركة Omdia.
على الصعيد العربي، لا تزال التجربة في بدايتها، لكنها بدأت تلفت الانتباه، خاصة مع ظهور أعمال صممت خصيصاً للمشاهدة عبر الهاتف، من بينها مسلسل "غرفة التحقيق"، الذي يُعد من أوائل التجارب المصرية في هذا النوع، إلى جانب تجارب عربية أخرى تستهدف منصات الفيديو القصير.
لا يقتصر نجاح الدراما العمودية على تغير عادات المشاهدة، بل يرتبط أيضاً بطريقة إنتاجها والثمن الذي تدفعه الأرض مقابل هذه الصناعة الحديثة؟
أين يكمن الأثر البيئي المحتمل؟
نظرا لحداثة الظاهرة، لا توجد دراسات تقيس البصمة الكربونية للدراما العمودية بشكل مباشر، لكن خصائص هذا النموذج الإنتاجي، بما يشمل انخفاض الميزانيات المخصصة، وقصر مدة التصوير، كلها عوامل تقلل كميات الطاقة اللازمة في عمليات الإنتاج، ما قد يعني انخفاض انبعاثات الغازات الدفيئة واستخدام أكثر كفاءة للموارد مقارنة بالإنتاج التقليدي.
أولاً: التصوير الأقصر والتنقل الأقل
بينما قد يستغرق تصوير مسلسل تقليدي عدة أشهر، ينتهي إنتاج العديد من أعمال الدراما العمودية خلال 7 إلى 10 أيام فقط، وبميزانيات تتراوح بين 12 ألفاً و300 ألف دولار للمسلسل الكامل؛ وهي أقل بكثير من ميزانيات الإنتاج التلفزيوني التقليدي، وفقا لتقرير موقع Streaming Radar
اختصار التصوير إلى أيام قليلة مع التركيز على الحوارات واللقطات القريبة بدل المشاهد الضخمة أو التنقل بين مواقع متعددة، يقلل بالتبعية الحاجة إلى السفر والتنقل، مما يعني انخفاض الانبعاثات بشكل كبير، لأن السفر والنقل يمثلان ما بين 50 و65% من الانبعاثات المرتبطة بالإنتاج التلفزيوني والسينمائي التقليدي، وفقاً لدراسة منشورة في دورية "Cell Press".
ثانيًا، الطواقم الأصغر والمعدات الأقل
الإنتاج العمودي يعتمد عادة على فرق عمل محدودة العدد، وإعدادات تصوير أبسط بميزانيات قليلة ، ما قد يخفض استهلاك الطاقة والموارد المستخدمة في مواقع التصوير
ثالثًا، المشاهدة عبر الهاتف
توضح دراسة منشورة عبر ScienceDirect أن نوع الجهاز المستخدم في مشاهدة الفيديو يؤثر في استهلاك الطاقة، إذ تستهلك الهواتف الذكية كهرباء أقل من أجهزة التلفزيون عالية الدقة، لكن على الجانب الآخر، فإن النمو السريع في إنتاج المحتوى الرقمي يزيد الطلب على مراكز البيانات وشبكات البث، وهي بدورها تستهلك كميات كبيرة من الطاقة.
مستقبل أكثر استدامة؟
قد لا تكون الدراما العمودية ثورة بيئية بحد ذاتها، لكنها تقدم نموذجاً مختلفاً يدفع إلى إعادة التفكير في طرق إنتاج المحتوى السمعي البصري، لأن المعادلة أصبحت واضحة: كلما كان الإنتاج أسرع، والتنقل أقل، واستخدام الموارد أكثر كفاءة، زادت فرص تقليل جزء من الأثر البيئي للصناعة
ومع استمرار انتشار هذا النوع من الدراما، ودخوله أسواقًا جديدة، قد يصبح السؤال في المستقبل ليس فقط كيف ننتج محتوى يجذب المشاهد؟ بل أيضًا كيف ننتجه بأثر بيئي أقل؟
وحتى تظهر دراسات علمية مباشرة تجيب عن هذا السؤال، تبقى الدراما العمودية احتمالاً إيجابياً واعداً، وفرصة لدمج الوعي البيئي في صناعة الدراما والبحث عن نماذج جديدة أكثر استدامة من أشكال الإنتاج التقليدية