روبوتات تحمي غابات البشر.. كيف يحاول العالم مواجهة موسم الحرائق؟


مروة بدوي
السبت 01 اغسطس 2026 | 12:05 مساءً

موسم جديد من حرائق الغابات يشهده العالم الذي يواجه درجات حرارة غير مسبوقة، فالمئات منها اندلع في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، بينما سجلت أوروبا موسماً قياسياً شهد عمليات إجلاء واسعة في فرنسا وإسبانيا.

في إقليم البحر المتوسط والدول العربية، يرتبط تفاقم خطر حرائق الغابات بآثار التغيرات المناخية، وتُعد دول المغرب العربي من أكثر المناطق العربية عرضة لهذه المخاطر بسبب امتداد الغابات المتوسطية على مساحات واسعة منها، حسب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)

هذه الأحداث تذكرنا بأن الحرائق لم تعد ظاهرة موسمية عابرة، بل تحدياً يتطلب استجابة متكاملة تجمع بين الطبيعة والتكنولوجيا.

أسباب الحرائق

تعود معظم الحرائق إلى مزيج من العوامل، أهمها تغير المناخ الذي يطيل مواسم الجفاف، ويرفع درجات الحرارة الليلية، مما يزيد من جفاف الغطاء النباتي، ويزيد خطر اشتعال النيران، إضافة إلى النشاط البشري سواء الإهمال أو الحرق العمد أو الشرر من الآلات.

يُضاف إلى ذلك تراكم كميات هائلة من الوقود النباتي، مثل الأغصان الميتة، الناتج عن اتباع طرق الإخماد الكامل للنيران لعقود طويلة، والتي منعت الحرائق الطبيعية الصغيرة وتركت الغابات أكثر عرضة للكوارث.

النار.. عنصر بيئي

ترتكز مبادئ المواجهة الطبيعية لحرائق الغابات على استعادة دور النار كعنصر بيئي، وأبرزها مكافحة الحرائق بالحرائق أو الحرق الوقائي.

هذه الاستراتيجية التي مارستها الشعوب الأصلية لقرون؛ تقوم على فكرة إشعال حرائق صغيرة عن عمد وحرق الأحراش وأوراق الشجر والقش، كما تشمل إزالة الشجيرات الكثيفة والنباتات القابلة للاشتعال، للحفاظ على غابات أقل كثافة وأكثر قدرة على الحد من انتشار النيران.

في أمريكا وكندا، أعادت بعض المجتمعات الأصلية سياسة الحرق الوقائي المنتظم، مما زاد مقاومة الغابات وأعاد التوازن إلى المناظر الطبيعية وحسن التنوع البيولوجي، كذلك يُستخدم الرعي المنظم لتقليل النباتات الجافة، هذه الطرق تعتبر رخيصة نسبياً ومستدامة، لكنها تحتاج قبولاً مجتمعياً وتخطيطاً دقيقًا لتنفيذها على أرض الواقع.

التكنولوجيا في خط الدفاع الأول

تركز هذه الوسائل على الكشف المبكر والتدخل السريع، وهناك عدة أنظمة عالمية مثل استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية المكافحة، من خلال الاعتماد على كاميرات عالية الدقة توضع على قمم الجبال لرصد الأدخنة، وتنبيه فرق الإطفاء والجهات المعنية بسرعة لاحتواء الحرائق في مراحلها المبكرة.

وعلقت هيلاري فرانز، المفوضة السابقة للأراضي العامة في وزارة الموارد الطبيعية بواشنطن، أنه بفضل هذه الأنظمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي خفضت واشنطن مساحة الأراضي المحترقة خلال السنوات الثلاث الماضية، كما انتشر هذا النظام في 17 ولاية أمريكية بجانب كندا وأستراليا.

وهناك تقنيات أخرى مثل مستشعرات تُثبت على الأشجار وتكتشف الغازات الناتجة عن الحريق خلال دقائق عبر شبكة لاسلكية، والأقمار الصناعية الحرارية التي تكشف الحرائق ليلًا وتحت الدخان .

أما الروبوتات فقد تم الاستعانة بها في إشعال حرائق يجري التحكم بها بدقة عالية للتخلص من الغطاء النباتي الجاف، وقد نجحت الروبوتات في ولاية كاليفورنيا بالفعل في تقليل المدة اللازمة لإتمام هذه الحرائق خلال ثلاثة أيام بدل أسبوعين بالطريقة التقليدية، وفق الموقع الرسمي لـ BurnBot.

هذه التقنيات المبتكرة أثبتت فعاليتها في تقليل المساحات المحترقة عند التدخل المبكر، لكنها مكلفة وتتطلب صيانة وتنسيقًا بشريًا مستمرًا.

كيف تستعد الدول العربية؟

في دول المغرب العربي تبرز جهود متفاوتة؛ اتخذت الجزائر مساراً استبقاياً بعد مواسم حرائق مدمرة خلال عامي 2024 و2025، حيث استعانت بالطائرات والمروحيات والكاميرات الذكية، و”الدرونز” للكشف المبكر، مع تشديد العقوبات على الحرق العمد.

بينما يعتمد المغرب بصورة متزايدة على المراقبة الفضائية وبيانات الأقمار الصناعية لرصد التغيرات في الغطاء النباتي ودرجات الحرارة، مما يساعد في التنبؤ بالمناطق عالية الخطر وإصدار إنذارات مبكرة، تعد هذه الطريقة منخفضة التكلفة نسبيًا وتغطي مساحات واسعة.

أما لبنان يمتلك استراتيجية وطنية أطلقها عام 2025 لإدارة مخاطر الحرائق وتحسين المناظر الطبيعية، وتركز على أنظمة الإنذار المبكر والتنسيق المحلي وإعادة تأهيل الغابات وممارسات الإدارة المستدامة، ويجري تنفيذ هذا المشروع بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة وبدعم البنك الدولي والمجتمعات المحلية.

رغم التقدم في بعض الدول لمواجهة حرائق الغابات، تبقى التحديات قائمة مثل ارتفاع التكاليف، ضعف التنسيق بين الجهات، وتأثير تغير المناخ المستمر الذي يجعل المواسم الحارة أطول وأكثر جفافاً.

يمثل المزج الذكي بين الحلول الطبيعية والتكنولوجية، مع تعزيز التعاون الإقليمي وتبادل الخبرات، بالإضافة الى الاستثمار المستدام في الكشف المبكر عن الحرائق وتوعية المجتمعات، وسيلة فعالة لمكافحة حرائق الغابات، وربما يمكن في المستقبل تحويل التهديد المتصاعد من هذه الحرائق إلى فرصة لإعادة بناء غابات أكثر مرونة واستدامة.