العبادة والاستدامة.. نماذج للمساجد الخضراء حول العالم


مروة بدوي
الاربعاء 03 ابريل 2024 | 01:30 صباحاً
مسجد الاستقلال
مسجد الاستقلال

المساجد هي منارات العبادة التي تطبق مفاهيم الدين الإسلامي، ومنها الدعوة للحفاظ على البيئة التي استخلف الله الإنسان فيها؛ لذلك يتعاظم دور المساجد الخضراء في مواجهة تغير المناخ؛ ليس فقط لتقليل حجم استهلاك المؤسسات الدينية للطاقة وما ينتج عنها من انبعاثات كربونية، لكن الأهم هو رفع مستوى الوعي لدى المصلين الذين يفوق عددهم الملايين حول العالم، وتذكير البشر بأهمية الأرض والحاجة إلى حمايتها وإنقاذها من أجل الأجيال القادمة

لذلك قررت بعض المساجد في العالم تبني مفهوم الاستدامة حتى تقدم مثالاً يحتذي به الجميع، وفي الوقت نفسه تكون هذه المساجد الخضراء جزءاً من حل أزمة المناخ المتفاقمة.

حافظ مسجد خليفة التاجر على التراث المحلي في العمارة، وخاصة في الواجهة الخارجية المستطيلة الشكل مع مئذنة تقليدية، وألوان مستلهمة من تدرجات رمال صحراء دبي

مسجد خليفة التاجر (دبي)

دبي هي مدينة المستقبل، التي تحاول دائماً تطبيق مفاهيم الاستدامة وحماية البيئة داخل كل الأبنية وأنواع المعمار، ومنها مسجد "خليفة التاجر" أول مسجد صديق للبيئة في العالم الإسلامي، الذي جرى تصميمه وتنفيذه وفقاً لأعلى المواصفات والمقاييس في مجال الأبنية الخضراء، التي يعتمدها المجلس الأمريكي للأبنية الخضراء USGBC.

مسجد خليفة التاجرمسجد خليفة التاجر

ويقع المسجد داخل منطقة ميناء سعيد إحدى ضواحي ديرة، التي تعد واحدة من أقدم الأحياء التجارية في دبي، وقد افتتح المسجد عام 2014 بمساحة بلغت 105 آلاف قدم مربعة، ويتسع لعدد 3500 مصلٍّ.

يحافظ مسجد خليفة التاجر على التراث المحلي في العمارة، وخاصة في الواجهة الخارجية المستطيلة الشكل مع مئذنة تقليدية، وألوان مستلهمة من تدرجات رمال صحراء دبي، وبداخل المسجد تتجلى عراقة الزخارف الإسلامية؛ كل ذلك شُيد على طرق العمارة الجديدة والأساليب الحديثة التي تهدف إلى حماية البيئة.

تصميم المسجد يستغل التكنولوجيا الحديثة والحلول البيئية مع اعتماد الطاقة المتجددة، ويمكن رؤية ذلك في عدة مجالات.

تشييد مسجد خليفة التاجر اعتمد على مواد بناء صديقة للبيئة مع إدخال تقنية العزل الحراري عبر مواد عازلة للأسقف والجدران الخارجي

الطاقة والإضاءة

استخدام الطاقة المتجددة بالمسجد تتمثل في إنارته من الخارج، عبر تركيب أعمدة إنارة مزودة بألواح شمسية، مع نظام بطاريات تخزين يعمل بالطاقة الشمسية، واستغلال الطاقة المتجددة في تسخين مياه الوضوء والمياه المستخدمة في ملحقات المسجد، بدلاً من السخانات الكهربية.

تعتمد إضاءة المسجد على ضوء الشمس من خلال النوافذ، مع تركيب أجهزة استشعار لضوء النهار؛ لتجنب الاستخدام غير الضروري للإضاءة في كل المسجد، وفي المساء يتم استخدام الإنارة الذكية من خلال قناديل تراثية وأنظمة متطورة ومصابيح الإضاءة الحديثة الموفرة، مع نظام تحكم بالإنارة والإغلاق التلقائي وفقاً لأوقات الصلاة، وأجهزة استشعار مثبتة لتنظيم وحدات تكييف الهواء.

الحفاظ على المياه

شهدت دورات المياه بالمسجد تركيب خلاطات مياه تتناسب مع مقاييس المباني الخضراء لتخفيف سرعة تدفق المياه في الصنابير داخل أماكن الوضوء، وتحديد كمية تدفق المياه بالدورات، بالإضافة إلى معالجة المياه عبر تجميع مياه الوضوء وإعادة تدويرها وتنقيتها، بهدف استخدامها من جديد في دورات المياه وفي ري النباتات.

التصميم والعزل الحراري

تشييد مسجد خليفة التاجر اعتمد على مواد بناء صديقة للبيئة مع إدخال تقنية العزل الحراري عبر مواد عازلة للأسقف والجدران الخارجية، واستخدام زجاج مزدوج للنوافذ، ومزود بطبقة طلاء معدنية حتى تقلل من كمية أشعة الشمس النافذة إلى المسجد، وتحد من تغلغل الحرارة.

ويشمل المسجد ثلاث قاعات: المصلى الكبير، والمصلى اليومي، ومصلى النساء، ويتم إغلاق قاعة الصلاة الكبرى في الأيام العادية ويتم استخدامه في صلاة الجمعة والمناسبات الخاصة فقط؛ لتوفير الطاقة.

مسجد السنة (الرباط)

في قلب العاصمة المغربية الرباط، واحدة من عواصم المغرب القديمة؛ حيث يمتزج التاريخ وجمال المعمار، يقع مسجد السنة الذي يعد أحد أكبر المساجد في المغرب، وواحداً من المعالم الرئيسية في العاصمة.

مسجد السنة الرباطمسجد السنة الرباط

تأسس مسجد السنة في القرن الـ١٨، وتبلغ مساحته 5565 متراً مربعاً، ويجمع بين فخامة التصميم واتساع الساحة المفتوحة على السماء، والمُزينة بالفسيفساء والرخام الأبيض والأخضر الذي يتلألأ تحت ضوء النهار، وأضيفت إلى خصائص المسجد الحديثة الاستدامة وتوفير الموارد.

توفير الطاقة

على سطح مسجد السنة جرى وضع ألواح شمسية؛ حيث يقوم النظام الكهروضوئي بتسخير الطاقة الشمسية لإنشاء مصدر للطاقة المتجددة، ويجري استغلاله في الإضاءة وتشغيل سخانات المياه الحرارية، بالإضافة إلى تركيب مصابيح موفرة؛ ما يقلل استخدام الكهرباء.

هذه التكنولوجيا الموفرة نجحت في تخفيض تكاليف الطاقة بأكثر من 80% وتوفير ما يقرب من 7 آلاف دولار سنوياً، وفقاً لموقع “Morocco World News“.

الوظائف المستدامة

من أجل التحول الأخضر في مسجد السنة، تعاون المغرب مع شركات عالمية، ونتيجة ذلك تم تدريب وتبادل الخبرات مع عدد كبير من الكهربيين والفنيين المغاربة، بجانب فتح المجال أمام الشركات المستدامة التي يمكنها توظيف العديد من المواطنين في قطاع الطاقة النظيفة، ومن ثم يخلق بناء أو تحويل المساجد إلى مبانً خضراء فرصاً جديدة في قطاع الوظائف المستدامة؛ ما يعود بالمنفعة الاقتصادية على البلاد، حسبما ذكرت صحيفة الجارديان، كما تم تدريب الأئمة ورجال الدين على الأمور المتعلقة بالطاقة المتجددة والتكنولوجيا المستدامة من أجل نقل الرسالة إلى مجتمعاتهم.

تعمل إدارة مسجد السنة ضمن مبادرة وطنية أطلقتها المغرب عام 2016، تستهدف استخدام المساجد كنقطة انطلاق لاعتماد الطاقة النظيفة بالبلاد

التوعية بقضية المناخ

المساجد تمثل أداة عظيمة للتوعية بجميع القضايا ومنها تغير المناخ؛ لأن كفاءة استخدام الطاقة ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي أيضاً مسألة تغيير سلوك بين المواطنين، وهذا ما تقوم به ادارة مسجد السنة من خلال توصيل رسائل واضحة وفعالة بشأن الفوائد الطويلة الأجل المترتبة على الحفاظ على الطاقة وتوسيع استخدام الموارد المتجددة.

تعمل إدارة مسجد السنة ضمن مبادرة وطنية أطلقتها المغرب عام 2016، تستهدف استخدام المساجد كنقطة انطلاق لاعتماد الطاقة النظيفة بالبلاد، والبدء في نشر ثقافة الطاقة المتجددة بين الجمهور والابتعاد عن المصادر التقليدية، تحقيقاً لأهداف المملكة المغربية.

يقدم مسجد السنة مثالاً رئيسياً على ثمار هذه المبادرة، باعتباره من أوائل المساجد الصديقة للبيئة في المغرب، كما يمثل المسجد مركزاً مهماً للحياة الاجتماعية في المملكة لتشجيع الناس على تغيير سلوكهم وتعريفهم بالطاقة المتجددة وطرق تطبيقها وتكييفها مع المباني العامة والمنازل السكنية، ويعمل الأئمة والمدرسون في المسجد على توعية الناس بالقضية لتقليل فاتورة الطاقة في المنازل.

مسجد الاستقلال (جاكرتا)

في العاصمة الإندونيسية جاكرتا، يقع أكبر مسجد في جنوب شرق آسيا، وهو المسجد الذي يرتبط برموز ودلالات عدة؛ فهو رمز الاستقلال والحرية؛ حيث جرى تشييده بعد استقلال إندونيسيا عن هولندا، بعد استعمار دام أكثر من 350 عاماً، لذلك سمي "الاستقلال"، وفي الوقت نفسه يحمل المسجد روح التسامح بين الأديان في أكبر بلد إسلامي من حيث عدد السكان؛ حيث بُني بجانب إحدى الكنائس الكبرى في العاصمة، وحالياً بات المسجد رمزاً لاحترام البيئة.

مسجد الاستقلالمسجد الاستقلال

واحد من أكبر مساجد العالم، ويستوعب 200 ألف مصلٍّ. يمتاز مسجد الاستقلال بطراز مميز للتصميم المعماري الحديث يضمن تنقية عالية للهواء، مع تعدد طوابقه وساحاته الخارجية الواسعة والحدائق ونوافير المياه، والأعمدة الضخمة المصنوعة من المواد الفولاذية الحديدية غير القابلة للتآكل.

يعتبر مسجد الاستقلال أول مسجد في العالم يحصل على شهادة المباني الخضراء الدولية "EDGE" من مؤسسة التمويل الدولية IFC، من أجل التميز في التصميم لتحقيق كفاءة أكبر بصفته مسجداً أخضر، وفقاً لوكالة الأنباء الإندونيسية "Antara".

وحصل المسجد على الشهادة بعد أن تم تجديده بالكامل بناءً على مفهوم الاستدامة والحفاظ على البيئة؛ حيث تم تخفيض بصمته الكربونية بشكل كبير، وقد تم تنفيذ عملية التجديد من قبل مجلس المباني الخضراء في إندونيسيا، الذي وضع عدة معايير للمساجد الخضراء تم تطبيقها في مسجد الاستقلال:

كفاءة الطاقة والحفاظ عليها

يزداد الطلب على الطاقة يوماً بعد يوم بين سكان العالم؛ لذلك شهد مبنى الاستقلال عمل تجديدات تواكب مفهوم البناء الذكي؛ من حيث استخدام مكيفات الهواء الموفرة للطاقة والمصابيح المعتمدة على LED، واستخدام الألواح الشمسية.

ويهدف تصميم المسجد إلى تخفيف تداعيات تغيرات المناخ وتقليل انبعاثات الكربون، والنتيجة أن المسجد نجح في توفير الطاقة بنسبة 23%.

استخدام المياه بشكل مستدام

من أجل الحفاظ على الموارد الطبيعية، يعتمد المسجد الصنابير المنخفضة التدفق، بالإضافة إلى تركيبات معالجة مياه الوضوء وإعادة تدويرها؛ ما قلل من استهلاك مسجد الاستقلال للمياه بنسبة 36%.

الإدارة الجيدة

يتميز المسجد بموقع مناسب مع التخطيط والبناء الجيد؛ ما يؤمن بيئة صحية ويحسن نوعية الهواء النقي حول مسجد الاستقلال، بالإضافة إلى استخدام مواد غير سامة أو ملوثة والابتعاد عن الأبنية التحتية غير الضرورية للحصول على صحة مستدامة وتجنب الأزمات البيئية وتقليل التكاليف غير الضرورية.

تقدم كل هذه المساجد الخضراء بالعالم الإسلامي نموذجاً لتطبيق مبادئ التصاميم المستدامة، التي تراعي الحلول البيئية للحفاظ على هذه الأرض والتخفيف من آثار التغير المناخي؛ ما يحسن جودة المجتمعات الدينية ويتوافق مع شريعة الدين الإسلامي.