ما الذي يجمع بين عبوة مشروب فارغة، وزعنفة قارب تجديف، وميدالية يتسلمها رياضي على منصة التتويج؟
قد تبدو أشياء لا علاقة بينها، لكن الشاب المصري عبد المعز شاهين رأى فيها فرصة مختلفة، فبينما ينظر كثيرون إلى العبوات المستهلكة باعتبارها نهاية دورة الاستهلاك، تساءل "شاهين" عما إذا كان بالإمكان إعادتها إلى الحياة، ليس في صورة منتجات تقليدية، بل أدوات ومعدات وجوائز رياضية.
من هذه الفكرة نشأت RowCycle، وهي شركة مصرية ناشئة تعمل على تطوير منتجات رياضية باستخدام مواد معاد تدويرها، في تجربة تطرح سؤالاً يتجاوز حماية البيئة: هل يمكن تحويل المخلفات إلى مواد خام لمشروعات قادرة على المنافسة والنمو؟
المصدر: الصفحة الرسمية لشركة ROWCYCLE
من زعنفة قارب بدأت الحكاية
الأكثر قراءة
لم تأت الفكرة من داخل مصنع لإعادة التدوير، بل من مياه الإسكندرية، فخلال ممارسته رياضة التجديف الساحلي، التي مثّل فيها مصر في منافسات محلية ودولية، لاحظ عبد المعز شاهين تشابهاً بين الألومنيوم المستخدم في أجزاء من قوارب التجديف، والمعدن الموجود في علب المشروبات.
كانت الملاحظة بسيطة، لكن تحويلها إلى منتج قابل للاستخدام لم يكن كذلك.
فالألومنيوم المستخرج من العبوات رقيق، ولا يصلح بمفرده لكل الاستخدامات الرياضية التي تتطلب الصلابة ومقاومة الظروف المائية، لذلك اتجه المشروع إلى تطوير زعانف لقوارب التجديف باستخدام طبقات من الألومنيوم المستعمل، مع تدعيمها بمواد أخرى لتحسين خصائصها.
وبدلاً من الاكتفاء بجمع المخلفات وإعادة بيعها، بدأتRowCycle العمل على تصنيع منتجات ذات قيمة أعلى، مستفيدة من خبرة مؤسسها في عالم الرياضة.
وهنا تظهر الفكرة الاقتصادية للمشروع: ليست القيمة في المخلفات نفسها، بل فيما يمكن ابتكاره منها.
عندما صعدت المخلفات منصة التتويج
لم تتوقف التجربة عند معدات التجديف، فمع تطور المشروع، اتجهتRowCycle إلى تصنيع الميداليات والجوائز الرياضية باستخدام مواد معاد تدويرها، لتدخل سوقاً مختلفاً يجمع بين التصميم والصناعة وتنظيم الفعاليات.
وفي أبريل 2026، ظهرت إحدى تطبيقات هذه الفكرة في المملكة العربية السعودية، عندما استخدم الاتحاد السعودي للتجديف ميداليات مستدامة بالتعاون مع RowCycle خلال كأس السعودية للتجديف الكلاسيكي، التي أُقيمت في جدة.
المصدر: الصفحة الرسمية لشركة ROWCYCLE
لم يكن الأمر مجرد مشاركة في فعالية بيئية، بل استخداماً فعلياً لمنتجات المشروع في بطولة رياضية رسمية.
وتشير تغطيات صحفية للتجربة إلى أن الشركة طورت علاقات مع جهات وفعاليات رياضية في مصر والسعودية وقبرص والبرتغال والمملكة المتحدة، في محاولة لتوسيع نطاق أعمالها خارج السوق المحلية.
هذه الخطوة تكشف جانباً مهماً من ريادة الأعمال البيئية: الانتقال من صناعة منتج يحمل رسالة عن الاستدامة إلى تقديم منتج تحتاج إليه جهة مستعدة لاستخدامه.
عندما تصبح المخلفات جزءاً من نموذج الأعمال
تعتمد المشروعات التقليدية لإدارة المخلفات غالباً على جمع المواد وفرزها وبيعها لإعادة التصنيع. أما تجربة RowCycle، فتسعى إلى إضافة مرحلة أخرى: تصميم منتجات جديدة من المواد المستهلكة، وتوجيهها إلى سوق متخصصة، ويشترك في ذلك مع مفهوم "الاقتصاد الدائري"، الذي يقوم على إطالة عمر الموارد، وتقليل الفاقد، وإعادة إدخال المواد في عمليات الإنتاج بدلاً من التخلص منها بعد الاستخدام الأول.
لكن نجاح الفكرة بيئياً لا يعتمد على استخدام مواد معاد تدويرها وحده؛ بل يرتبط أيضاً بمصدر المواد، والطاقة المستهلكة في معالجتها، وعمر المنتج النهائي، وإمكان إعادة تدويره مرة أخرى.
كما يتوقف نجاحها اقتصادياً على كلفة التصنيع، وجودة المنتج، والقدرة على الحصول على طلبات منتظمة.
وهذا تحديداً ما يجعل RowCycle حالة تستحق الدراسة، لا مجرد قصة ملهمة.
من حماية البيئة إلى خدمة المجتمع
يمتد نشاط عبد المعز شاهين إلى ما وراء المنتجات الرياضية، إذ شارك في مبادرات مجتمعية لتنظيف الشواطئ والمسطحات المائية، إلى جانب مشاركته في جهود تربط بين جمع المخلفات وتحقيق منفعة اجتماعية.
ومن بين هذه الأنشطة مبادرة RotaHope، التي تقوم على الاستفادة من المخلفات القابلة لإعادة التدوير في توفير موارد مالية لدعم جلسات العلاج الكيميائي لمرضى السرطان.
وتكشف هذه التجارب عن إمكانية توظيف إعادة التدوير في أكثر من مسار: خفض المخلفات، وتوفير مواد للإنتاج، وحشد المشاركة المجتمعية، والمساهمة في تمويل أنشطة إنسانية.
لكن من المهم التمييز بين النشاط التجاري للشركة والمبادرات التطوعية التي يشارك فيها مؤسسها؛ فلكل منهما أهدافه وآليات عمله ومؤشرات قياس أثره.
من الإسكندرية إلى حوار الشباب البيئي
لم يبق حضور شاهين محصوراً في المجال الرياضي أو في تطوير المنتجات، فقد شارك في الحوار البيئي الأول للشباب في مصر YEDx Egypt، الذي نظمه المجلس العربي للطفولة والتنمية والشبكة العربية للمنظمات الأهلية، بالتعاون مع المجموعة الرئيسية للأطفال والشباب لدى برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وبدعم من برنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند".

وشكلت مشاركته فرصة لعرض تجربة RowCycle ضمن نقاش أوسع عن الابتكار ودور الشباب في مواجهة التحديات البيئية.
وتكتسب هذه المشاركة أهميتها من كونها تنقل تجربة ريادة الأعمال من نطاق المنتج والسوق إلى مساحة الحوار حول السياسات والفرص التي يحتاج إليها رواد الأعمال الشباب.
فالمشروعات البيئية الناشئة لا تحتاج إلى الأفكار وحدها، بل إلى منظومة تساعدها على التطور، تشمل التمويل، والبحث والتطوير، والبنية التحتية لإعادة التدوير، والوصول إلى الأسواق والشراكات.
هل تنجح الفكرة خارج حدود التجربة؟
توضح RowCycle كيف يمكن أن تبدأ فكرة اقتصادية من مشكلة بيئية محلية، ثم تجد تطبيقاً في قطاع لم يكن مرتبطاً تقليدياً بإعادة التدوير.
لكن اختبار نجاحها على المدى الطويل لا يتعلق بعدد البطولات التي تستخدم منتجاتها فقط، وإنما بقدرتها على بناء نشاط اقتصادي مستقر، وتطوير منتجات تنافس البدائل التقليدية في الجودة والتكلفة، مع إثبات أثرها البيئي بصورة قابلة للقياس.
كما يطرح المشروع تساؤلاً أوسع عن الفرص المتاحة أمام رواد الأعمال العرب: كم من المواد التي نتعامل معها يومياً باعتبارها مخلفات يمكن أن تصبح مدخلاً لصناعات ومنتجات جديدة؟
في النهاية، لا تكمن أهمية تجربة عبد المعز شاهين في تحويل عبوة مستهلكة إلى منتج رياضي فحسب، بل في تغيير طريقة النظر إلى ما نستهلكه وما نتخلص منه.
فالميدالية التي تبدأ رحلتها من مادة مستعملة قد تكون رمزاً للفوز مرتين: مرة على منصة التتويج، ومرة عندما تجد الموارد فرصة لاستخدام جديد بدلاً من أن تنتهي كمخلفات.