من الوعي إلى التأثير.. كيف يفتح YEDx Egypt للشباب طريقاً إلى صناعة القرار البيئي؟


مروة بدوي
الخميس 13 اغسطس 2026 | 05:55 مساءً

في أول نسخة عربية من حوارات YEDx البيئية، لم يجتمع الشباب في القاهرة فقط للحديث عن المناخ والتلوث والاستدامة، بل لفهم سؤال أكثر تعقيداً: كيف تتحول أفكارهم إلى مقترحات يمكن أن تجد طريقها إلى دوائر صنع القرار؟

كل يوم تقريباً، يواجه الشباب سيلاً من الأخبار عن موجات الحر، وتلوث الهواء، وشح المياه، وفقدان التنوع البيولوجي، ومستقبل يتغير بفعل أزمة المناخ.

لكن بين معرفة المشكلة والقدرة على التأثير فيها، توجد فجوة كبيرة.

يمكن للشباب أن يتحدثوا، ينشروا، ينظموا حملات، ويطالبوا بالتغيير، لكن السؤال الأصعب هو: كيف يصل هذا الصوت إلى المساحات التي تُصنع فيها السياسات والقرارات؟

من هنا جاءت فكرة الحوار البيئي الأول لليافعين والشباب في مصر YEDx Egypt، الذي انعقد في القاهرة يوم 12 أغسطس، بالتزامن مع اليوم الدولي للشباب.

لم يكن الهدف تقديم يوم جديد من المحاضرات البيئية، بل تقريب الشباب من عالم السياسات البيئية، ومنحهم مساحة لفهمه ومناقشته وطرح تصوراتهم بشأنه.

ما هو YEDx؟

يرمز YEDx إلى Youth Environmental Dialogues، وهي حوارات بيئية يقودها الشباب محلياً، وتهدف إلى ربط القضايا والسياسات البيئية العالمية بما يحدث فعلياً داخل المجتمعات.

الفكرة لا تتوقف عند تعريف الشباب بتغير المناخ أو التلوث أو الاستدامة، بل تمتد إلى فهم كيف تُصنع السياسات البيئية، وأين يمكن للشباب المشاركة، وكيف تتحول القضايا العالمية إلى تحرك محلي.

وتدور التجربة حول أربعة مسارات رئيسية: بناء قدرات الشباب على فهم السياسات البيئية، وربط النقاش العالمي بالواقع المحلي، وإيصال رؤاهم إلى دوائر صنع السياسات، وبناء شبكات تجمع الشباب العاملين في المجال البيئي.

ويعتمد النموذج على أن يقود الشباب الحوار بأنفسهم محلياً، بينما توفر المجموعة الرئيسية للأطفال والشباب لدى برنامج الأمم المتحدة للبيئة الدعم والإرشاد وبناء القدرات.

وبحسب منظمي الفعالية، جاءت نسخة مصر بوصفها أول نسخة عربية من YEDx والثانية عالمياً بعد بوتسوانا.

الشباب ليسوا جمهوراً

أحد الفروق الواضحة في تصميم اليوم كان موقع الشباب نفسه داخل الفعالية.

لم يكونوا جمهوراً يستمع إلى خبراء يتحدثون عن مستقبلهم، بل جزءاً رئيسياً من النقاش.

وهذه الفكرة ظهرت منذ الافتتاح، عندما ركزت هدى البكر، الأمين العام للمجلس العربي للطفولة والتنمية، على سؤال أساسي:

كيف يتحول صوت الشباب من مجرد تعبير عن الرأي إلى قوة قادرة على إحداث تغيير طويل الأجل؟

فالشباب يمتلكون اليوم منصات أكثر من أي وقت مضى للتعبير عن أفكارهم وقضاياهم، لكن امتلاك الصوت لا يعني بالضرورة الوصول إلى دوائر التأثير.

وهنا يظهر دور المؤسسات

ليس في أن تتحدث نيابة عن الشباب، وإنما في أن تفتح لهم القنوات، وتوفر الخبرة والشبكات التي تساعد على تحويل الأفكار والقصص والمطالب إلى مقترحات وأوراق سياسات يمكن طرحها أمام صناع القرار.

الفكرة ببساطة: الصوت مهم، لكن الأثر يبدأ عندما يجد هذا الصوت طريقاً إلى الفعل.

من البيئة إلى السياسة

  • هذا البعد كان أيضاً محوراً مهماً في مشاركة الدكتور محمود فتح الله، مدير إدارة شؤون البيئة والأرصاد الجوية بجامعة الدول العربية.

  • فالعمل البيئي لا يتوقف عند امتلاك فكرة جيدة أو تشخيص مشكلة حقيقية، وإنما يحتاج إلى فهم الطريق الذي تمر به الفكرة قبل أن تصبح سياسة أو قراراً.

    كيف تتحول المشكلة إلى مقترح؟

     كيف تدخل المقترحات إلى المؤسسات؟ وأين يمكن للمجتمع المدني والشباب المشاركة؟

    هذه الأسئلة تنقل النقاش البيئي من مستوى الوعي العام إلى مساحة أكثر تقدماً: فهم آليات التأثير.

    خمس قضايا.. والشباب في قلب النقاش

    بدلاً من الاكتفاء بجلسات عامة، توزع المشاركون على خمس ورش عمل تناولت ملفات تمس حياتهم ومستقبلهم بصورة مباشرة.

    ناقشت إحدى المجموعات الطبيعة والقدرة على الصمود المناخي، مع تركيز على حماية الشعاب المرجانية وأهمية التكنولوجيا والبيانات في متابعتها.

    وتناولت مجموعة أخرى التلوث والصحة، من تأثير المناطق الصناعية ومصادر المياه الملوثة إلى المخاطر البيئية داخل المنازل والمنتجات المستخدمة يومياً.

    أما مجموعة الرياضة والاستدامة، فناقشت كيف يمكن للفعاليات والبطولات الرياضية أن تصبح أكثر استدامة، من تقليل البلاستيك إلى إعادة تدوير المعدات واستخدام بدائل أقل ضرراً بالبيئة.

    وفي ورشة مشاركة الشباب والتعليم البيئي، دار النقاش حول كيفية الانتقال بالتعليم البيئي من المعلومات النظرية إلى المعرفة التي تنتج سلوكاً ومبادرات وقدرة على التأثير.

    بينما تناولت ورشة الذكاء الاصطناعي والبيئة جانباً أكثر حداثة من النقاش: كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة وإدارة المياه والتنبؤ المناخي، وفي الوقت نفسه التعامل مع أثره البيئي وقضايا البيانات والتحيز والعدالة في الوصول إلى التكنولوجيا.

    ما جمع هذه النقاشات لم يكن البحث عن إجابات جاهزة، بل محاولة طرح سؤال واحد بأشكال مختلفة:

    ماذا يستطيع الشباب أن يفعلوا؟

    المعرفة وحدها لا تكفي

    جنة راضي، ممثلة المجموعة الرئيسية للأطفال والشباب لدى برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ربطت أهمية التجربة أيضاً بما يمكن أن يحدث بعد انتهاء اليوم.

    فالهدف ليس أن يغادر المشاركون وهم يعرفون معلومات جديدة عن البيئة فقط، وإنما أن يفهموا كيف يمكنهم الدخول إلى مساحات أوسع للمشاركة، من بينها العمليات المرتبطة بجمعية الأمم المتحدة للبيئة UNEA.

    وهنا تصبح معرفة السياسات أداة

    فالشاب الذي يعرف كيف تعمل المنظومة، وأين تُناقش القضايا، وكيف تُقدم المقترحات، يصبح أكثر قدرة على تحويل اهتمامه البيئي إلى مشاركة فعلية.

    وهذا ربما هو الفارق بين حملة تنتهي بانتهاء منشوراتها، وشبكة أو مبادرة تستطيع الاستمرار.

    حتى النفايات أصبحت جزءاً من القصة.

    الفكرة لم تتوقف عند النقاش داخل القاعات، فخلال الفعالية، تولت شركة بيكيا المصرية جمع وإعادة تدوير النفايات الناتجة عن اليوم نفسه، فكانت تفصيلة صغيرة، لكنها لخصت أحد أهم معاني الحدث:

    الاستدامة لا تصبح مقنعة عندما نتحدث عنها فقط، بل عندما تدخل في طريقة تنظيم ما نفعله.

    وماذا بعد YEDx؟

    هذا هو الاختبار الحقيقي لأي حوار شبابي.

    ليس عدد الحاضرين، ولا عدد الجلسات، ولا الصور التي تُنشر بعد انتهاء اليوم.

    بل ما الذي سيستمر بعد ذلك؟

    هل ينضم مزيد من الشباب إلى شبكات بيئية؟

    هل تتحول بعض الأفكار إلى مبادرات؟

    هل يعرف المشاركون كيف يصلون إلى مساحات المشاركة الدولية؟

    وهل تظهر أصوات جديدة قادرة على تقديم مقترحات أكثر ارتباطاً بواقع المنطقة العربية؟

    هذا ما تراهن عليه المرحلة التالية من YEDx Egypt، عبر استمرار بناء القدرات والتواصل بين الشباب والمؤسسات والمنصات المعنية بالبيئة والتنمية.

    ونُظم الحوار بواسطة المجلس العربي للطفولة والتنمية والشبكة العربية للمنظمات الأهلية، بالتعاون مع المجموعة الرئيسية للأطفال والشباب لدى برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وبدعم من برنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند".

    لكن القيمة الحقيقية للتجربة لن تتحدد بأسماء الجهات المنظمة.

    بل بما إذا كان الشباب الذين دخلوا القاعة وهم يحملون أسئلة عن البيئة، سيخرجون منها وهم يعرفون أين يمكنهم أن يتحركوا، وكيف يمكن لصوتهم أن يصل، وما الذي يمكنهم فعله بعد اليوم.

    لأن الانتقال من الوعي إلى التأثير يبدأ من هذه النقطة تحديداً.