من القاهرة إلى شاطئ البحر الأحمر، خاض 21 يافعاً ويافعة تجربة أتاحت لهم الاقتراب من الطبيعة والتفاعل معها بعيداً عن عالم الشاشات.
4 أيام قضاها المشاركون في النسخة الأولى من مخيم "أبطال الأرض" بين أنشطة تتناول قضايا المناخ والمياه والتنوع البيولوجي، وإدارة النفايات، بطريقة جذابة تناسب فئتهم العمرية.
بدأت رحلة ”أبطال الأرض” منذ لحظة تحرك المشاركين إلى العين السخنة يوم 24 أغسطس الماضي، وهم لا يعرفون بعد كيف ستتغير نظرتهم إلى البيئة خلال المخيم الذي ينظمه المجلس العربي للطفولة والتنمية، والشبكة العربية للمنظمات الأهلية، بالتعاون مع المنظمة الكشفية العربية، بدعم برنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند".
لم يُصمم برنامج المخيم بطريقة تقليدية، بل من خلال أساليب تفاعلية تدفع المشاركين أن يكتشفوا بأنفسهم كيف ترتبط القضايا البيئية بما يرونه ويعيشونه كل يوم؛ من الحرارة والغذاء والملابس، إلى البحر والكائنات التي تعيش فيه، وصولًا إلى النباتات والحيوانات والعلاقات التي تجمعها داخل النظام البيئي.
فيديو افتتاح المخيم
View this post on Instagram
من المعرفة إلى الشرارة
في افتتاح فعاليات المخيم، دعت أ.هدى البكر، الأمين العام للمجلس العربي للطفولة والتنمية، والمدير التنفيذي للشبكة العربية للمنظمات الأهلية، كل اليافعين إلى بناء صلة أكبر بالطبيعة من حولهم، وأن تصبح تجربتهم في”أبطال الأرض” فرصة للمعرفة والتعلم ثم مشاركة الخبرات مع أصدقائهم بعد العودة من المخيم،حتى تكتمل دائرة المعرفة.
وحتى تتحول المعرفة إلى أثر، يجب على أبطال الأرض أن يكونوا بمثابة شرارة لبداية أكبر، كان هذا هو المحور الأساسي في مشاركة د. هاني عبد المنعم، الأمين العام للمنظمة الكشفية العربية ومدير الإقليم الكشفي العربي.
الشرارة لا تكفي وحدها؛ تحتاج إلى التواصل والتعاون مع شركاء آخرين يعملون معها بتناغم، وهذا هو دور اليافعين أن يستغلوا المعلومات البيئية ومهارات العمل الجماعي التي اكتسبوها خلال المخيم، ويحولوا المعرفة إلى مشاركة وسلوك ينشروها في المدرسة والبيت حتى تكبر قاعدة الناس الذين يحافظون على البيئة.
المحطة الأولى: عندما يتحول المناخ إلى قصة قريبة منك
بدأت الرحلة من سؤال رئيسي: كيف يمكن لظاهرة تحدث في أقصى العالم أن تؤثر في حياة طفل يعيش هنا؟
ومع الإجابة عن هذا السؤال، بدأت تتضح تدريجياً للمشاركين علاقة المناخ والظواهر الطبيعية بكل تفاصيل الحياة؛ من الطعام الذي نختاره، إلى الملابس التي نرتديها، والهواء الذي نتنفسه.
بهذه الطريقة، لم تعد القضية مجرد ظاهرة تحدث في مكان بعيد، لكن أصبحت موضوعاً يمكن للطفل ملاحظته والتفكير فيه وربطه بحياته اليومية.
وخلال هذه المحطة، اقترب المشاركون من مفاهيم البيئة وتغير المناخ، وتعرّفوا إلى الفرق بين البيئة الطبيعية والبيئة التي صنعها الإنسان، وتناولوا أسباب ارتفاع درجات الحرارة وآثار تغير المناخ، وتعريف مفهومَي التخفيف والتكيف.
ثم انتقلت المعرفة إلى منافسة، حيث انقسم المشاركون إلى أربعة فرق حملت أسماء وألواناً مختلفة؛ Mango، Clover، Andromeda ،GC، وتحولت الأسئلة البيئية إلى تحديات جماعية تبحث فيها الفرق عن الإجابات والحلول.
لم يكن الهدف من المنافسة حفظ أكبر عدد من المعلومات، بل اختبار قدرة المشاركين على التفكير معاً وتطبيق ما تعلموه خلال المحطة الأولى.
المحطة الثانية: من قطرة ماء إلى عالم كامل تحت سطح البحر
من اليابسة إلى المياه، تغير المشهد والأسئلة، ففي المحطة الثانية بالرحلة، المخصصة للماء والسواحل، بدأ المشاركون في استكشاف البيئات الساحلية والكائنات التي تعيش فيها، وكيف تتكيف مع ظروفها وتتحرك وتحصل على غذائها.
وهنا ظهرت الفكرة الأساسية: المياه ليست مورداً يستخدمه الإنسان فقط، بل موطناً لأنظمة حية كاملة، وبالتالي ارتفاع حرارة المياه وتغير الرياح والتيارات يمكن أن يغير الظروف التي تعتمد عليها الكائنات البحرية في حياتها.
ومن داخل هذا العالم تحت الماء، اتسع النقاش ليصل إلى البشر أنفسهم، إذا كانت الكائنات تتفاعل مع بعضها داخل بيئتها، فكيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع البحر الذي يجمع دولاً وشعوباً مختلفة؟
ناقشت الجلسة أيضًا العلاقة بين المياه والرياضة، باعتبارها مساحات تجمع الناس وتتجاوز الحدود، في إشارة إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الرياضة في دعم جهود حماية البيئة البحرية وبناء علاقات أوسع بين المجتمعات.
View this post on Instagram
المحطة الثالثة: خيط واحد يكشف قصة الطبيعة
في المحطة الثالثة، لم يكن المطلوب من المشاركين أن ينظروا إلى الطبيعة فقط، لكن أن يحاولوا فهم العلاقات التي تربط كل عناصرها معا.
استخدم المشاركون الخيوط لتمثيل الروابط بين عناصر مختلفة في النظام البيئي، وكلما أضيف عنصر جديد، ظهر ارتباطه بعناصر أخرى؛ من النباتات إلى الطيور والحيوانات والموائل التي تعتمد عليها.
النشاط جعل فكرة التنوع الحيوي أكثر وضوحاً: ليست كل الأنواع متشابهة، ولكل منها دور يرتبط بالبيئة المحيطة وقدرتها على التكيف معها.
وتحولت النباتات والحيوانات إلى نقطة بداية لفهم نظام بيئي أكبر مع التركيز على النباتات والحيوانات المصرية التي يراها المشاركون في حياتهم اليومية والتعرف على قصصها وأدوارها البيئية.
في نهاية النشاط، اختار كل فريق نباتاً يرسمه ويتحدث عنه، في خطوة تنقل المشاركين من استقبال المعلومة إلى اختيار موضوع والبحث فيه ثم تقديمه للآخرين.
وهنا تحديداً تتضح طريقة التعلم التي اتبعها المخيم: المعلومة التي يتلقاها المشاركون تتحول إلى سؤال أو تجربة أو نقاش أو مهمة جماعية.
View this post on Instagram
وبين محطة وأخرى.. كانت هناك تجربة مختلفة تنتظر أبطال الأرض
لم تكن الأيام الأربعة سلسلة متواصلة من الجلسات، كانت هناك الرياضة والأنشطة الترفيهية، وتحديات الفرق، ونصب الأعلام، والعمل المشترك الذي جعل المشاركين يتعرفون إلى بعضهم بعيدًا عن إطار الجلسات.
وخلال هذه الأنشطة باتت الطبيعة المحيطة بالمخيم جزءاً من مساحة التعلم والحركة، وليست مجرد خلفية للمشهد، هذه المساحة تكمل تجربة التعلم التي يبنيها المجلس العربي للطفولة والتنمية، لأن العمل ضمن فريق، وتقسيم الأدوار، والتواصل، واتخاذ القرار، كلها مهارات تحتاج إليها أي قيادة بيئية مستقبلية.
في "أبطال الأرض" لا يقف هدف البرنامج عند تعلم اليافعين عن البيئة فقط، لكن ان يعيشوا تجربة جماعية ويتفاعلون مع المحتوى.
ماذا بعد انتهاء المخيم؟
تكشف تجربة "أبطال الأرض" قيمة التعلم الذي ينتقل من الشاشة إلى الواقع؛ فحين يتفاعل اليافع، ويتحرك، ويجرب، ويعمل ضمن فريق، ثم يرى البيئة من حوله بعين مختلفة، تتحول المعلومة إلى خبرة يمكن استدعاؤها وتطبيقها مستقبلاً.
قد تنتهي أيام المخيم، لكن ما يتعلمه اليافع خلالها يمكن أن يستمر في صورة سؤال جديد، أو معرفة ينقلها إلى صديق، أو سلوك يتغير، أو فكرة يقرر أن يلاحقها.
وهذا هو الاستثمار الأهم في برنامج أبطال الأرض؛ بناء المعرفة والقدرات والمهارات التي تؤهل الأطفال واليافعين للمشاركة في القضايا البيئية وصناعة الأثر.. فكل بطل اليوم هو نواة لقائد بيئي في الغد، يشارك في بناء مستقبل المنطقة العربية بوعي؟