في عام 2024، تصدّرت أخبار محبي موسيقى الكيبوب وسائل الإعلام، بعدما أعلنت شركة سيارات كورية كبرى عن إنهاء صفقة كبيرة مرتبطة بالفحم في إندونيسيا، عقب حملة قادتها مجموعة Kpop4Planet بدعم من المعجبين والمهتمين بقضية المناخ.
تبدو القصتان مختلفتين، لكنهما تبرزان لمحة صغيرة عن جانب من شعبية الكيبوب وحضوره القوي، التي نجحت في إثبات أن الثقافة الشعبية يمكن أن تصبح قوة تغيير حقيقية ووسيلة لجذب الشباب إلى قضايا تتجاوز الموسيقى، من حماية الطبيعة إلى مساءلة الشركات عن قراراتها البيئية.
وإن لم تكن لديك فكرة كافية عن هذه الظاهرة، فربما تساعدك السطور التالية في الدخول إلى عالم الـ K-pop.

ما الكيبوب؟ ومن هم "الفاندومز"؟
الكيبوب (K-pop) اختصار لموسيقى البوب الكورية، وهي ظاهرة فنية انطلقت من كوريا الجنوبية وتوسعت عالمياً، تجمع بين الموسيقى والغناء والرقص والعروض المرئية، ولا يقتصر انتشارها على الأغاني؛ إذ ترتبط بها مجتمعات واسعة من المعجبين تُعرف باسم "الفاندومز" (Fandoms) أو مجتمعات المعجبين.
لكل فرقة اسم يميز جمهورها؛ محبو فرقة BTS يُعرفون باسم ARMY، بينما يُطلق على محبي BLACKPINK اسم BLINK.
وتمنح المنصات الرقمية هذه المجموعات وسيلةً للتواصل وتنظيم المبادرات وتنسيق الحملات، مما يجعلها قادرة على نقل الاهتمام من متابعة الفنانين إلى قضايا عامة.
وتعكس أرقام المنصات الرسمية لمحبي الكيبوب حجم الجمهور الذي تستطيع هذه الفرق الوصول إليه؛ فعلى سبيل المثال، يتجاوز عدد مشتركي القناة الرسمية لـ BTS على يوتيوب 86 مليوناً.

كيف تخدم موسيقى الكيبوب وثقافته قضية البيئة والمناخ؟
من خلال الفن والتوعية
تتناول بعض أغاني الكيبوب قضايا البيئة بصورة مباشرة، ومن أشهرها أغنية "The Planet" التي أصدرتها BTS عام 2023 ضمن الموسيقى التصويرية لمسلسل رسوم متحركة تدور قصته حول أبطال يواجهون التلوث البيئي. وتصدّرت الأغنية قوائم iTunes في 67 دولة عند إطلاقها، مما يقدم مثالاً واضحاً على نجاح أغنية ترتبط بحماية الأرض في الوصول إلى جمهور دولي واسع.

وفي العام نفسه، قدّمت فرقة Stray Kids أغنية "FNF"، وهي اختصار لـ"Flora and Fauna" أي النباتات والحيوانات، وتناولت الأغنية مشاعر الفقد المرتبطة بتضرر الطبيعة والحياة البرية في أستراليا نتيجة حرائق الغابات.
هذا النوع من التوعية الجماهيرية، المتمثل في الأغاني ورسائل الفيديو والمشاركة في المؤتمرات الدولية ودعوة الجمهور إلى التحرك من أجل المناخ، يصل إلى شرائح واسعة ويحقق ملايين المشاهدات، خصوصاً بين الشباب.
وتوضح هذه النماذج كيف يمكن للموسيقى والصورة والرسائل التي يقدمها الفنانون أن تفتح نافذةً للتعرف على قضايا قد لا يتابعها بعض المعجبين عبر وسائل الإعلام التقليدية.

من الإعجاب إلى الفعل الجماعي
لا يقتصر الدور البيئي لثقافة الكيبوب على ما يقوله الفنانون، بل يمتد إلى ما يفعله جمهورهم، وهنا تبرز Kpop4Planet، وهي مبادرة أطلقها محبو الكيبوب عام 2021 لتوظيف قوة الفاندومز في المطالبة بتحرك مناخي مؤثر والتعاون مع منظمات الدفاع عن البيئة، تحت شعارهم الشهير "No K-pop on a Dead Planet".
في عام 2023، أطلقت المبادرة حملة "Hyundai, Drop Coal"، مطالبةً شركة هيونداي بالانسحاب من اتفاق مرتبط بمشروع لإنتاج الألومنيوم في إندونيسيا يعتمد على الطاقة المولّدة من الفحم.
وبعد إنهاء المشروع، رحّبت الحملة بالقرار باعتباره انتصاراً للمعجبين الذين شاركوا في عمليات الضغط.

واستمر هذا النشاط في حملات أخرى، أحدثها "Hana, Bring K-pop Not Coal"، للضغط على بنك هانا الكوري بسبب تمويله مشروعاً لصهر النيكل يعتمد على محطات جديدة لتوليد الكهرباء بالفحم.
ولا تقتصر المبادرات على الضغط على الشركات؛ إذ يشارك بعض الفاندومز في حملات الحد من البلاستيك والنفايات، وتقليل تأثير قطاع الموضة على الكوكب.
وإلى جانب ذلك، ظهرت مشاريع الغابات الجماعية؛ إذ يلجأ المعجبون بدلاً من إرسال الهدايا التقليدية إلى جمع التبرعات لإنشاء غابات ومساحات خضراء حضرية باسم فنانيهم المفضلين.
وقد زُرعت حتى الآن 25 غابة تضم أكثر من 12,850 شجرة، تمتص نحو 279 طن من الكربون سنوياً.

تحديات لا يمكن تجاهلها
رغم هذه المبادرات، تواجه صناعة الكيبوب نفسها تحديات بيئية؛ إذ ارتفعت مبيعات الألبومات المادية وسط انتقادات تتعلق باستهلاك البلاستيك والتغليف، فضلاً عن تأثير الجولات الموسيقية والتنقل المرتبط بها وحجم الانبعاثات وسبل الحد منها.
لذلك، لا يكفي أن تتبنى الفرق رسائل بيئية؛ بل تحتاج الصناعة كلها إلى بدائل أقل هدراً، وخطوات عملية للحد من أثرها البيئي.
في النهاية، لا تستطيع الموسيقى وحدها حل أزمة المناخ، لكنها تستطيع أن تمنح القضية جمهوراً جديداً، وأن تحوّل الحماس إلى مبادرات ومطالب جماعية.
وهنا تكمن القوة البيئية للكيبوب؛ قدرته على حشد الجمهور وتحويل الاهتمام إلى مشاركة وتغيير لصالح واحدة من أهم قضايا القرن الحادي والعشرين.