من عرائس لا بوبو إلى ميرومي.. كيف تحوّلت الدمى "الكيوت" إلى عبء بيئي على الكوكب؟


من لا بوبو إلى ميرومي: ترند "كيوت".. بتكلفة بيئية قاسية

مروة بدوي
الاربعاء 08 ابريل 2026 | 04:28 مساءً
لابوبو
لابوبو

في فيديو قصير لا يتجاوز 30 ثانية، تفتح إنفلونسر شابة صندوق صغيرة بعناية.. تتسع عيناها، تبتسم، وتصرخ بحماس "مش قادرة! أخيرًا جتلي" تخرج دمية صغيرة بعيون واسعة، ألوان ناعمة، وتفاصيل مصممة بعناية لتبدو هذه العروسة الصغيرة محبوبة على الفور.

خلال ساعات، يحصد الفيديو مئات الآلاف من المشاهدات، ويزيد الإقبال على شراء العرائس من أجل محاكاة نفس تجربة الانفلونسر، هكذا.. بدأت حكاية الدمى“الكيوت” لكن هذه ليست القصة كاملة.

من عروسة صغيرة مثل “لا بوبو” إلى شخصيات يابانية مثل “ميرومي” لم تعد هذه المنتجات مجرد ألعاب، بل ترند عاطفي عالمي، يبيع المشاعر قبل المنتج نفسه.. فماذا يحدث عندما تتحول المشاعر إلى ثقافة استهلاك؟ وكم تكلّف هذه المخلوقات الصغيرة كوكبنا؟

لابوبو

كيف بدأت قصة لا بوبو وميرومي؟

بدأت “لا بوبو” كرسمة ابتكرها الفنان الصيني كاسينغ لونغ عام 2015، شخصية صغيرة ضمن عالم خيالي اسمه The Monsters، مخلوقات غريبة بملامح تجمع بين اللطف والتمرد.

بعد أربع سنوات، حولت شركة بوب مارت الصينية، هذه الرسومات إلى دُمى تُباع داخل علب مغلقة، لا تعرف ماذا بداخلها إلا بعد الشراء، هنا لم تعد “لعبة”.. بل تجربة، وتحولت “لا بوبو” من لعبة أطفال إلى ظاهرة عالمية، بيعت منها أكثر من 10 ملايين قطعة حول العالم حتى بداية 2026، وفقا لمنصة التجارة الالكترونية Alibaba.com.

ميروميماذا عن “ميرومي”؟

 روبوت ذكي صغير مغطى بفراء ناعم ، يتفاعل مع محيطه بحركات مثل إدارة الرأس أو النظر بخجل.

بحسب المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة اليابانية المبتكرة للدمية ، صُممت ميرومي لتحاكي الفرح الذي يشعر به الناس عند رؤية طفل يتفاعل معهم، لأن الأطفال لديهم جاذبية تدفع الآخرين الى الابتسامة، وهو نفس “المدخل العاطفي”، الذي استخدمته “لا بوبو” من قبل وحولها الى ترند عالمي.

كيف تحول الترند العاطفي إلى استهلاك سريع؟

لم يعد “الترند” موجة عابرة، بل أصبح نظامًا متكاملًا لإنتاج وبيع المشاعر، ربما ما نشعر به تجاه هذه الدمى حقيقي.. لكن الطريقة التي صُنع بها هذا الشعور ليست بريئة بالكامل، لان هناك شخص تعمد خلق هذا الحب مسبقًا وتسويقه عبر الفضاء الإلكتروني.

أنت لا تشتري دمية.. أنت تشتري إحساس، وهنا تحولت المشاعر إلى سوق وثقافة استهلاك سريع لا تتوقف.

شراءاقتصاد المشاعر: كيف نُدفع للشراء؟

بحسب دراسة حديثة لجامعة غويلف الكندية حول الاستهلاك العاطفي والأخلاقي والمستدام، الشركات لا تبيع دمى فقط، بل تصمّم “تجارب عاطفية كاملة” لتحفيز عمليات الشراء باستمرار وتعتمد على ثلاثة ركائز هي :

نظام الصناديق العمياء (blind boxes)

علب مغلقة لا تعرف محتواها، تشجع المستهلكين على تكرار الشراء سعياً وراء اقتناء قطع نادرة أو محدودة، مما يحفز إفراز الدوبامين ويعزز سلوك الشراء.

لعبة الندرة: الخوف من تفويت الفرصة (FOMO)

تشتري ليس لأنك تريد، بل لأنك تخشى ألا تحصل علي الدمى لاحقًا.

وسائل التواصل الاجتماعي:

يتحول الموضوع من ترند إلى سوق ضخم محركه الأساسي هو السوشيال ميديا ومحرك الاستهلاك الخفي.

بهذه المعادلة:

عاطفة مُصممة+ انتشار سريع+ ندرة مصطنعة.. تحوّلت الدمى إلى“هوس” ثم سوق بملايين الدولارات، لكن هذا النمو السريع له وجه آخر خطير لا يظهر في الفيديوهات.

لابوبوالأثر البيئي المخفي خلف هذا الترند اللطيف

قد تبدو هذه الدمى صغيرة الحجم، لكن أثرها على الكوكب كبير، وراء كل قطعة “كيوت” سلسلة كاملة من إنتاج البلاستيك، النفايات، والانبعاثات المناخية، حيث تطلق صناعة الألعاب العالمية عشرات الملايين من الأطنان من ثاني اكسيد الكربون سنوياً.

تُسلط موضة لابوبو وميرومي الضوء على قضايا الاستدامة المرتبطة بصيحات الألعاب الرائجة، لذلك علينا فهم ما يحدث خلف صناعة هذا الترند العاطفي.

الأثر المناخي

تعتمد صناعة الدمى على مواد بلاستيكية مثل بوليستر، وبولي كلوريد الفينيل (PVC) مع أكريلونيتريل بوتادين ستايرين (ABS)، وعلى سبيل المثال، يطلق إنتاج 1 كيلوغرام فقط من مادة ABS نحو 3 كيلوغرامات من ثاني أكسيد الكربون، ومع صناعة ملايين الوحدات يتحول الترند إلى بصمة كربونية ضخمة

التلوث الكيميائي والنفايات الصناعية.

وفقا لتقرير منشور في صحيفة South China Morning Post تُعد عملية تصنيع هذه المواد البلاستيكية شديدة التلوث، حيث تُطلق كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري والمواد الكيميائية السامة، ذات مخاطر بيئية وصحية جسيمة، وترتبط بالتلوث المحلي داخل بعض الدول الآسيوية.

يأتي ذلك في الوقت الذي يتوقع فيه تقرير مركز القانون البيئي الدولي أن يصل إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن البلاستيك إلى أكثر من 56 جيجا طن بحلول عام 2050، أي ما يمثل حوالي من 10 الى 13 % من إجمالي الانبعاثات العالمية.

أثر مناخيسلوك المستهلك ودورة النفايات

بحسب مؤسسة News Decoder الدولية، المشكلة لا تتوقف عند التصنيع.. نحو 80% من جميع الألعاب البلاستيكية تنتهي في مكبات النفايات أو المحارق أو المحيطات، أي ما يشكل حوالي 6% من نفايات البلاستيك العالمية، بالإضافة إلى النفايات الناتجة عن الصناديق المغلقة وعبوات الاستخدام الواحد.

وفيما يتعلق ب"ميرومي" والتي أصبحت ظاهرة فيروسية على وسائل التواصل في بداية 2026، المبيعات لا تزال في مرحلة مبكرة، ولا توجد دراسات أو تقارير محددة حتى الآن عن بصمتها الكربونية أو التأثير المناخي؟

لكن بشكل عام، ميرومي مثل أي روبوت إلكتروني صغير يساهم إنتاجه في زيادة الانبعاثات، وقياسا على دراسات علمية موثقة لمنتجات مشابهة جداً لميرومي، الانبعاثات تأتي أساساً من استخراج المعادن النادرة المستخدمة في المحركات والإلكترونيات وتصنيع البطاريات بجانب إنتاج الدمى نفسها وعمليات الشحن العالمي.

لابوبوالنهاية: من يدفع الثمن؟

قد تبدو لا بوبو وميرومي دمى بريئة، إلا أن وراء مظهرهما المرح هناك قصة أخرى أخطر بكثير، سوف تظهر ملامحها بوضوح بعد انتهاء الترند، وتحول هذه العرائس إلى نفايات غير قابلة للتحلل البيولوجي، وتظل تلوث التربة والمياه والحياة البحرية على مدى عقود طويلة.

وفي الحقيقة، المشكلة ليست في الدمى فقط، لكن في نظام يُنتج مشاعر سريعة، واستهلاكًا مفرطا، ونفايات تدوم طويلًا.

دمية صغيرة قد تبدو غير مؤثرة، لكن عندما يصبح جيل كامل مهووسًا بجمع الملايين منها، هنا يتحول الترند إلى أزمة بيئية صامتة، لذلك علينا ان نسأل انفسنا قبل الشراء: هل يستطيع كوكبنا تحمّل هذا الترند العاطفي؟