قد يظن كثيرون أن مستوى سطح البحر ثابت كالماء الهادئ في حوض مغلق، لكن الحقيقة مختلفة تماماً، سطح المحيط ليس مستوياً، بل يتحرك ويتغير باستمرار حيث تدفعه الرياح، وتعيد تشكيله التيارات البحرية، وتتمدّد مياهه أو تنكُمش حسب اختلاف درجات الحرارة.
وعلى مدى العقود الماضية رصدت الأقمار الصناعية هذه التغيرات بدقة مذهلة لتكشف لنا واحداً من أهم مؤشرات تغيّر المناخ وهو ارتفاع مستوى سطح البحر.
تُشير النتائج الحديثة أن القارة الإفريقية التي تمتد سواحلها عبر عدة الدول، بينها 10 بلدان عربية ، تدخل نظامًا جديدًا وأكثر خطورة في مستوى ارتفاع سطح البحر.
فماذا يحدث بالفعل على السواحل الإفريقية.. ولماذا يتحول هذا الارتفاع إلى تهديد مباشر للمدن والسكان والموارد؟
ارتفاع مستوى سطح البحر في إفريقيا أسرع من العالم
تكشف دراسة حديثة نشرها موقع The Conversation
أن سواحل إفريقيا تواجه خطراً كبيراً مع ارتفاع مستويات سطح البحر بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، فمنذ عام 1993 ارتفع مستوى سطح البحر حول القارة بنحو 11.26 سم.
اعتمد فريق البحث على تحليل بيانات ارتفاع مياه المحيط التي جمعتها أجهزة الرادار على الأقمار الصناعية على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وأكدت الدراسة ارتفاع مستويات سطح البحر في أفريقيا بنحو 3.54 مليمتر سنويًا، متجاوزةً المتوسط العالمي البالغ 3.45 مليمتر سنويًا، والاخطر هو تسارع وتيرة هذا الارتفاع بشكل مقلق.
الأسباب: لماذا يرتفع مستوى سطح البحر؟
يقف وراء ارتفاع مستوى سطح البحر عالمياً عاملان رئيسيان
أولًا: ارتفاع حرارة المحيطات، ما يؤدي إلى تمدد المياه وزيادة حجمها.
ثانياً: ذوبان الأنهار والصفائح الجليدية في جرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، وهو ما يضيف كميات هائلة من المياه إلى المحيطات.
وكلا العاملين يرتبطان مباشرة بتغير المناخ الناتج عن النشاط البشري، ورغم أن مستويات البحار شهدت تغيرات عبر تاريخ الأرض، فإن ما يحدث اليوم ليس مجرد دورة طبيعية، لأن معدل الارتفاع الحالي يتجاوز بكثير ما سُجّل عبر آلاف السنين.
مدفوعاً بتراكم غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي
ومع استمرار الاحترار يواصل المحيط امتصاص المزيد من الحرارة، وتستمر الصفائح الجليدية في الذوبان، مما يؤدي إلى تراكم تدريجي يسرّع وتيرة ارتفاع مستوى البحر عامًا بعد عام.
تأثير ظاهرة النينيو: تسارع مفاجئ وخطير
خلال عامي 2023–2024 رصدت الدراسة تطوراً استثنائياً بسبب تطرف ظاهرة النينيو بشكل غير معتاد، الأمر الذي أدى إلى ارتفاعات غير مسبوقة في مستوى سطح البحر، امتدت عبر المحيط الهندي، والأطلسي، ووصلت تأثيراتها إلى البحر الأحمر والمتوسط.
في غرب المحيط الهندي والمناطق الاستوائية من الأطلسي سجلت درجات حرارة أعلى بكثير من معدلاتها الطبيعية، وبالتالي ارتفع مستوى سطح البحر إلى مستويات مرتفعة.
في الوقت نفسه، تسببت أنماط رياح غير معتادة في تعطيل صعود تيارات المياه الباردة من الأعماق إلى السطح، وهي العملية التي تساعد عادةً على تبريد المحيط، لذلك بقيت الحرارة محبوسة في الطبقات السطحية دون أن تختلط بالمياه الباردة ما أدى إلى تضخيم التأثير الحراري بشكل كبير.
وقد ساهمت الفترة من 2023–2024 وحدها بارتفاع مستوى سطح البحر بمعدل 2.34 سم، أي ما يمثل 19٪ من إجمالي الزيادة التي سُجلت منذ عام 1993(في عامين فقط).
النتائج: أين يرتفع البحر أسرع؟
لا يرتفع مستوى سطح البحر بالشكل نفسه في كل مكان، استجابة المحيط للاحترار تختلف من منطقة لأخرى، بحسب مجموعة من العوامل المحلية
مثل قوة واتجاه التيارات، وعمق الطبقات الدافئة، وتأثير الأنماط المناخية القريبة، الى جانب طبيعة السواحل وقاع البحر، هذه الفروقات تجعل بعض المناطق أكثر عرضة لتسارع الارتفاع من غيرها.
المحيط الهندي
هنا تظهر المعدلات الأعلى لارتفاع مستوى سطح البحر في القارة السمراء، خاصة على طول الساحل الشرقي لأفريقيا، وتواجه الجزر المنخفضة، مثل جزر القمر مخاطر متزايدة من الفيضانات وارتفاع منسوب المياه.
المحيط الأطلسي
على امتداد الساحل الشمالي الغربي لإفريقيا يسجل نظام تيارات الكناري الصاعدة، من غينيا بيساو إلى المغرب، معدلات ارتفاع تفوق المتوسط العالمي
البحر الأبيض المتوسط تتباين التغيرات بشكل واضح من منطقة إلى أخرى، لكن يسجل الحوض الشرقي، خصوصًا قبالة سواحل مصر وحول قبرص مستويات مرتفعة سنوياً.
البحر الأحمر
يُظهر نمطاً أكثر استقراراً نسبياً مقارنة بباقي المسطحات الافريقية، ويرتبط ذلك بطبيعته شبه المغلقة، وارتفاع معدلات التبخر ومحدودية تبادل مياهه مع المحيط الهندي.
التكلفة البشرية لارتفاع مستوى سطح البحر
تعيش ملايين البشر في الدول الساحلية الإفريقية على مقربة من الشواطئ، ما يجعلها في خط المواجهة الأول مع ارتفاع مستوى سطح البحر.
هذا الارتفاع لا يعني فقط زيادة المياه، بل يترجم إلى تهديد مباشر يشمل الفيضانات، وتآكل السواحل وتسرّب المياه المالحة إلى مصادر الشرب والأراضي الزراعية، ما يقوّض الأمنين المائي والغذائي في آنٍ واحد.
كما تؤثر حرارة المياه المتزايدة وارتفاع منسوبها على مصائد الأسماك التي يعتمد عليها ملايين الأفارقة كمصدر رئيسي للغذاء والدخل وتبدو المخاطر أكثر حدة في المدن الساحلية سريعة النمو والدول الجزرية الصغيرة، حيث تصبح البنية التحتية والاقتصادات المحلية أكثر عرضة للخطر خاصة في دول مثل السنغال وموريتانيا والمغرب.
وتبرز دلتا النيل كنقطة حرجة حيث تتداخل عدة عوامل منها هبوط الأرض، وتراجع إمدادات الرواسب بسبب السدود في أعالي النهر،ما يزيد من هشاشة المنطقة أمام الغمر والتآكل، كما تتفاقم المخاطر على سواحل غينيا، وأجزاء من موريتانيا والصومال بفعل تداخل ارتفاع مستوى البحر مع الهبوط الأرضي وهو ما يسرّع من وتيرة الفيضانات وفقدان الأراضي الساحلية.
ولا تقتصر التداعيات على الإنسان وحده، بل تمتد إلى النظم البيئية الساحلية مثل غابات المانغروف، ومصبات الأنهار، ومناطق الصيد، مما يجعل ارتفاع مستوى سطح البحر ازمة بيئية وإنسانية في الوقت نفسه.
ما الذي يجب فعله الآن؟
مواجهة هذه الأزمة لم يعد خياراً بل ضرورة عاجلة تتطلب التحرك على أكثر من مستوى في وقت واحد.
في المقدمة، يأتي خفض انبعاثات الكربون عالميًا كخطوة أساسية لإبطاء ارتفاع حرارة المحيطات، لكن التخفيف وحده لا يكفي، التكيّف أصبح ضرورة موازية خاصة في القارة الأكثر عرضة للتأثيرات ويشمل ذلك؛
توسيع شبكات رصد المحيطات وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر،الى جانب حماية السواحل عبر الاستثمار في البنية التحتية والحلول القائمة على الطبيعة مثل استعادة غابات المانغروف، وتطوير أنظمة تصريف المياه.
في النهاية، حماية سواحل إفريقيا لن تتحقق بحل واحد،بل من خلال دمج العلم مع التخطيط على مستوى المجتمعات المحلية لبناء قدرة حقيقية على الصمود في مواجهة مستقبل بحري أكثر اضطراباً وأسرع تغيراً.