الذكاء الاصطناعي لا يفهمك.. التحيز اللغوي يهدد ضحايا الكوارث الطبيعية


مروة بدوي
الاثنين 27 ابريل 2026 | 04:20 مساءً

في زمن تتسارع فيه أزمات المناخ بوتيرة غير مسبوقة، من فيضانات مفاجئة تجتاح المدن، إلى موجات حر قاتلة تهدد حياة الملايين، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة حاسمة لرصد الكوارث، وتحليل البيانات، ودعم الاستجابة السريعة.

تعتمد الحكومات والمنظمات المختلفة بشكل متزايد على هذه التقنيات لقراءة ما يحدث على الأرض، وأحياناً ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف التقاط إشارات الخطر مبكراً، وتوجيه المساعدات إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.

لكن خلف هذه الصورة الإيجابية، تكمن فجوة صامتة.. لا تزال العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي تجد صعوبة في فهم اللغة أو الطريقة التي يتواصل بها الناس فعلياً بما تحمله من لهجات محلية وسياقات ثقافية وإشارات غير مباشرة، كلها عناصر قد تبدو واضحة للبشر، لكنها قد تُربك الخوارزميات.

على سبيل المثال، أثناء الفيضانات العارمة في غرب أفريقيا قد تظهر رسالة على الإنترنت تقول “الأرض حمراء في كل مكان” قد تبدو عبارة غامضة للبعض، لكن بالنسبة لسكان هذه المنطقة فهي إشارة واضحة وخطيرة تعني أن المياه ترتفع، والفيضانات تزداد شدة، والوضع يخرج عن السيطرة.

وهنا تكمن المشكلة.. في لحظات الأزمات، لا تكون اللغة العامية مجرد تفاصيل لغوية، بل رسائل استغاثة قد تنقذ صاحبها من الموت.

قد تُكتب الاستغاثة بكلمات بسيطة او محلية أو تعبَّر عن الخطر بطريقة غير مباشرة لكن إذا لم يفهمها الذكاء الاصطناعي، فقد تُصنف بشكل خاطئ أو تمر دون ملاحظة وتُهمل تمامًا.. ويفقد صاحبها فرصته في النجاة وهنا يبرز السؤال الأهم:

ماذا لو لم يفهم الذكاء الاصطناعي لغة البشر أثناء الأزمات، خاصة داخل المجتمعات النامية؟.. وهل يمكن أن تتحول هذه الفجوة اللغوية إلى عامل جديد يُعمّق الظلم المناخي؟

لماذا يعدّ الذكاء الاصطناعي أداة حاسمة في أوقات الكوارث؟

في لحظات الكوارث، لا تُقاس الاستجابة بالساعات، بل بالثواني، لذلك دعونا في البداية نوضح أهمية الذكاء الاصطناعي في مثل هذه الأوقات الصعبة:

عند وقوع فيضانات أو حرائق غابات أو زلازل، تحتاج فرق الطوارئ إلى تحديد مواقع المتضررين بسرعة، وتوجيه الموارد بكفاءة، واتخاذ قرارات دقيقة تحت ضغط هائل.

في هذا السياق، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أسرع وأغنى مصادر المعلومات، خلال الكوارث لا يكتفي الناس بمتابعة الأخبار، بل يتحولون إلى مراسلين على الأرض؛ ينشرون صورًا، وفيديوهات، ورسائل استغاثة، بل وأحيانًا مواقعهم الجغرافية في الوقت الحقيقي.

وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي..تستطيع أنظمة AI مسح ملايين المنشورات في ثوان، بحثًا عن إشارات الخطر، وطلبات المساعدة، ومظاهر الدمار.

وحسب مجلة "Fast Company Magazine"، المتخصصة في التكنولوجيا والابتكارات، يمكن لهذه الأنظمة رصد الأنماط بسرعة، وتحديد الأولويات، وحتى التمييز بين المعلومات الدقيقة والشائعات، بدلًا من الاعتماد على فرق بشرية قد تستغرق ساعات لتصفية هذا الكم الهائل من البيانات، وقد أثبتت التجارب أن هذه الأدوات يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً.

ولا يتوقف دور الذكاء الاصطناعي عند جمع المعلومات فقط، بل يمتد إلى تصنيفها حسب درجة الاستعجال والأولوية،، وتوجيه فرق الطوارئ نحو النقاط الأكثر خطورة مما يساعد على إنقاذ الأرواح قبل وصول التقارير الرسمية.

ومع استمرار تطور هذه التقنيات، يتجه العالم نحو ما يمكن تسميته بـ“استخبارات الكوارث”، حيث تصبح البيانات الفورية أداة مركزية في إدارة الأزمات، لكن، رغم كل هذه الإمكانات، يظل السؤال قائماً:

إذا كان الذكاء الاصطناعي لا يفهم دائمًا لغة الناس.. فهل يمكن المساعدة في إنقاذهم فعلا ؟

حين يتحول التحيّز اللغوي إلى ظلم مناخي

رغم كل ما يَعِد به الذكاء الاصطناعي من دقة وسرعة، إلا أنه يحمل في داخله خللاُ خفياً هو التحيّز اللغوي، حسب تقرير حديث منشور على موقع The Conversation خلال الأزمات، يبعث الناس نداءات الاستغاثة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويستخدمون لغة الحياة اليومية في مجتمعاتهم مثل اللهجات المحلية، والتعبيرات الثقافية، والصيغ العامية التي تعكس الشعور بالخطر.. لكن الخوارزميات قد تسيء تفسير هذا السياق اللغوي العديد من الأنظمة لا تفهم اللغة كما يستخدمها الناس، بل كما تم تدريبها عليها، وعندما تواجه تعبيرات غير مألوفة أو مزيجًا لغويًا يعكس الواقع المحلي قد تفشل في استيعاب المعنى الحقيقي.

وهنا لا نتحدث فقط عن اختلاف بين لغات أو مجرد خطأ تقني، بل عن فجوة أعمق.. لأن ذلك قد يعني أن بعض الاستغاثات تُسمع بوضوح، بينما تضيع أخرى وسط الضجيج وبالتالي قد تصل المساعدات إلى من تنطبق لغتهم مع معايير الخوارزميات وتفهمهم الأنظمة، بينما يتأخر الدعم عن أولئك الذين يتحدثون بلغة مختلفة، رغم أنهم قد يكونون الأكثر احتياجاً.

وهنا يتحول التحيّز اللغوي من تحد تقني الى ازمة انسانية قد تعيد انتاج عدم المساواة على أرض الواقع.

لماذا يحدث هذا التحيّز؟

لا يأتي هذا الخلل من فراغ، الذكاء الاصطناعي، رغم تطوره، لا يفكر ولا يفهم كما يفعل البشر، بل يتعلم من البيانات التي نُغذيه بها، وهذه البيانات تعتبر غالبا متحيّزة حيث تعتمد العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من النصوص المتاحة على الإنترنت، والتي يغلب عليها البصمة الثقافية الغربية.

وبالتالي يتعلم الذكاء الاصطناعي أنماط التعبير السائدة في هذه المجتمعات، ويُعيد إنتاجها عند تحليل اللغة وتوليدها مما يعكس لغة وسياقات ثقافية محدودة، هذا يعني ببساطة أن ما يُعتبر واضحاً أو مهماً داخل أنظمة الـ AI هو ما يتوافق مع الأنماط التي تعلمت منها أما التعبيرات واللغة القادمة من سياقات مختلفة ولهجات محلية، أو أساليب غير تقليدية مثل المجتمعات المحلية والدول النامية، فغالباً ما تكون غير واضحة لأنظمة الذكاء الاصطناعي.

ويوضح التقرير أن نماذج الذكاء الاصطناعي المُدرّبة على نصوص باللغة الإنجليزية تظهر في الغالب تحيّزاً خفياًً يُفضّل القيم الثقافية الغربية، وأحد الأسباب الرئيسية وراء النتائج المتحيزة هو انعكاس لعدم المساواة المجتمعية، بما في ذلك الاختلافات العرقية، والثقافية، والإقليمية، والتي تظهر في البيانات التي يعتمد عليها لذلك، غالبًا ما يجري تجاهل أو تهميش أصوات المجتمعات في البلدان النامية التي تستخدم لهجات محلية، ليس لأنها أقل أهمية، بل لأنها أقل تمثيلًا في البيانات التي تعلّم منها الذكاء الاصطناعي.

والنتيجة..

في سياق الأزمات المناخية مثل الفيضانات وموجات الحر و الظواهر الجوية المتطرفة، قد يكون لهذا التحيز عواقب وخيمة، وقد تؤدي الرسائل التي يساء تفسيرها إلى تعريض الأرواح والممتلكات للخطر مما يُفاقم من آثار الكارثة نفسها.

تحسين الاستجابة للكوارث المناخية

إذا كان التحيّز اللغوي أحد أسباب الخلل، فإن الحل يبدأ من إعادة التفكير في كيفية تصميم هذه الأنظمة، وتطوير نماذج تعكس فعليًا طرق تواصل الناس اليومية، بكل ما تحمله من تنوع لغوي، وتعبيرات محلية، وسياقات ثقافية.

يتطلب ذلك تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على فهم التعبيرات الإقليمية، وإدراك أن المعنى غالباً ما يعتمد على الدلالة والسياق الثقافي الذي تُقال فيه الكلمات، وليس فقط على المعنى الحرفي، كما يجب اختبار هذه الأنظمة على بيانات واقعية من الحياة اليومية، مثل منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، بدلًا من الاعتماد فقط على اللغة الرسمية أو النماذج الغربية المعيارية، لان داخل العالم الرقمي يمزج الناس بين اللغات والتعابير المحلية، وبالتالي تصبح الدلالة والسياق أهم من الكلمات نفسها.

ومع ذلك، لا يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وحده، ورغم قدرته على التحليل السريع، يظل العنصر البشري ضروريًا، خاصة في المواقف التي تتعلق بحياة الأفراد وسلامتهم، التكامل بين دقة الآلة وفهم الإنسان هو ما يصنع استجابة أكثر عدلًا وفعالية.

في النهاية، لا تزال الدول النامية والمجتمعات الأكثر هشاشة تعاني من الظلم المناخي وتتحمل العبء الأكبر من آثار تغيّر المناخ، رغم مساهمتها المحدودة في أسبابه.

وفي هذا السياق، قد يتحول التحيّز اللغوي في أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى عبء جديد يُفاقم هذا الظلم ويحد من الاستجابة السريعة للكوارث المناخية.

لكن بدلاً من تعميق الفجوة وعدم المساواة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة قوية لدعم هذه المجتمعات في مواجهة الأزمات والظواهر المتطرفة، إذا تم تطويره ليفهم اللغة كما تُستخدم فعليًا، بكل ما تحمله من سياق ودلالات ثقافية حتى لا تضيع التحذيرات ولا تُهمَل نداءات الاستغاثة.

في عالم تتسارع فيه الكوارث، قد تكون القدرة على فهم كلمة واحدة، هي الفارق بين النجاة أو فوات الأوان.