الكوكب يختنق.. هل تنجح خارطة طريق العالم في مواجهة تلوث الهواء؟


مروة بدوي
السبت 25 ابريل 2026 | 01:30 مساءً

 لم يعد تلوث الهواء مجرد خطرٍ صامت نعتاد الحديث عنه، بل تحوّل إلى قضية تتصدر المشهد العالمي بوضوح غير مسبوق؛ وبعد سنوات من التحذيرات، وضعت المؤسسات الدولية أزمة تلوث الهواء في قلب الأجندة العالمية.

عام 2025 ناقش تقرير المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي تلوث الهواء، مُصنّفاً إياه كأحد أخطر التهديدات التي تواجه العالم اليوم.

وفي خطوة وُصفت بالتاريخية، اعتمدت جمعية الصحة العالمية، خلال مايو الماضي، خارطة طريق تهدف إلى خفض الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء إلى النصف بحلول عام 2040

يأتي ذلك على خلفية اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية بتلوث الهواء، كعامل خطر رئيسي للأمراض غير المعدية، بشكل مكثف في السنوات الأخيرة.

ببساطة، لم يعد العالم يتعامل مع تلوث الهواء كأزمة بيئية فقط، بل كتهديد مباشر للحياة، ويجب أن نتذكر دائماً أن الثمن الأكبر يدفعه الأطفال، فهم الفئة الأكثر هشاشة أمام أزمة لم يساهموا في صنعها من الأساس.

تقرير 2025: الأرقام التي لا يمكن تجاهلها

كشف تقرير" IQAir " العالمي لجودة الهواء لعام 2025 أنه رغم الإجماع العالمي المتزايد، شهد العام الماضي تدهوراً ملحوظاً في جودة الهواء، مدفوعاً بعدة عوامل بيئية متطرفة، وعلى رأسها حرائق الغابات التي تفاقمت نتيجة تغير المناخ، وأطلقت نحو 1,380 ميغا طن من الكربون، في مؤشر واضح على تصاعد الأزمة.

وشمل التقرير الصادر عن شركة "IQAir" السويسرية الرائدة في تكنولوجيا جودة الهواء، تحليل بيانات من 9,446 مدينة في 143 دولة، معتمداً بشكل أساسي على الجسيمات الدقيقة PM2.5 كمؤشر رئيسي لقياس جودة الهواء.

وتُعد هذه الجسيمات من أخطر الملوثات على الإطلاق، إذ تنتج عن الأنشطة الصناعية، وتؤثر على صحة الإنسان ومتوسط عمره بشكل يفوق تأثير التدخين، والكحول، وحوادث الطرق، وحتى بعض الأمراض الوبائية.

وبحسب التقرير، التلوث لم يعد حكراُ على مناطق معينة كما كان في الماضي، حرائق الغابات رفعت مستويات جسيمات PM2.5 حتى في مناطق كانت تُعد “نظيفة نسبياً”.

أزمة عالمية تتفاقم

كشف التقرير عن أزمة عالمية، حيث استطاعت 13 دولة فقط من أصل 143 الالتزام بإرشادات منظمة الصحة العالمية لجودة الهواء، أي أن حوالي 91% من دول التي شملها التقرير تتنفس هواءً ملوثًا يتجاوز الحد الآمن عالميا (أقل من 5 ميكروغرام/م³ من PM2.5).

ومن بين الدول الأقل تلوثاً إستونيا، بنما، أستراليا، آيسلندا، بورتوريكو،باربادوس.

وفي المقابل، تصدرت هذه الدول قائمة الأكثر تلوثاً: باكستان، بنغلاديش، طاجيكستان، تشاد، جمهورية الكونغو الديمقراطية وعلى مستوى المدن العالمية تفاقم الوضع حيث انخفضت نسبة المدن التي تتمتع بهواء آمن من 17% في 2024 إلى 14% في 2025،وباتت نيودلهي الهندية المدينة الأكثر تلوثاً في الكوكب.

العالم العربي: في قلب العاصفة

وفقًا للتقرير، جاءت عدة دول عربية ضمن قائمة الدول الأكثر تلوثاً على مستوى العالم، ما يعكس حجم التحدي البيئي في المنطقة.

تصدّرت الكويت قائمة الدول العربية الأكثر تلوثاً بجسيمات PM2.5، كما احتلت المركز السابع عالمياً، تلتها مصر في المركز التاسع، ثم العراق في المركز الحادي عشر، والإمارات العربية المتحدة في المركز الثالث عشر، بينما جاءت البحرين في المركز الرابع عشر عالمياً.

في المقابل، برزت المغرب كأقل الدول العربية تلوثاً للهواء، حيث سجلت متوسط تركيز للجسيمات الدقيقة يبلغ نحو 9.6 ميكروغرام/م³، واحتلت مرتبة متأخرة عالميًا ( المركز 100 من أصل 143 دولة)، وهو ما يعني جودة هواء أفضل نسبيًا مقارنة ببقية الدول.

ويُعزى هذا الأداء إلى مزيج من العوامل الطبيعية في المغرب، مثل التنوع الجغرافي وحركة الرياح، إلى جانب التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة والجهود المبذولة للحد من الانبعاثات، رغم استمرار التحديات في بعض المدن.

هل التلوث في منطقتنا طبيعي أم بشري؟

أشار التقرير إلى أن منطقة غرب آسيا، التي تضم 14 دولة من بينها 9 دول عربية هي البحرين، العراق، الأردن، الكويت، فلسطين، قطر، السعودية، سوريا، والإمارات، لا تزال تواجه مستويات مقلقة من تلوث الهواء.

لكن اللافت أن جزءاً كبيراً من هذا التلوث لا يرتبط فقط بالأنشطة البشرية، بل تدفعه أيضًا عوامل طبيعية، وعلى رأسها العواصف الترابية، فقد سجلت مدن عدة في المنطقة ارتفاعات حادة في تركيزات PM2.5 خلال موجات غبار كثيفة شهدتها أشهر أبريل ومايو ونوفمبر.

الخلاصة: معركة طويلة مع الهواء

يمثل تقرير" IQAir " لعام 2025، إنذاراً واضحاً بأن الهواء النظيف لم يعد هدفاً سهلاً، بل معركة طويلة ومعقدة، تتشابك فيها الطبيعة مع المناخ والنشاط البشري، وتتطلب سياسات حقيقية طويلة الأمد، لا حلولاً مؤقتة.