المناخ يفقد "الذاكرة"..  ماذا تقول الاضطرابات الجوية الأخيرة في مصر والخليج وأمريكا؟


مروة بدوي
الخميس 26 مارس 2026 | 09:47 صباحاً

قبل أسبوع فقط، عاشت مناطق من الولايات المتحدة موجة برد قاسية، حيث اقتربت درجات الحرارة من الصفر أو هبطت دونه في بعض المناطق، لكن بشكل مفاجئ سجلت نفس المناطق موجة حر قياسية مع دخول فصل الربيع.

ما حدث في الولايات المتحدة لا يمكن اعتباره حدثاً استثنائياً، فعلى بُعد آلاف الكيلومترات، تعاني عدة دول عربية من تقلبات مناخية متطرفة من المتوقع أن تصل ذروتها اليوم وغداً، وهو نمط أصبح أكثر حدة وتكراراً مقارنة بالماضي.

التحول الحاد يميل إلى كونه واقع دائم، ولا يمكن تفسيره باعتباره "تقلباً طبيعياً" في الطقس، بل يُعد مثالاً واضحاً على ما يسميه العلماء "اختلال في سلوك النظام المناخي"، وهو أحد أكثر مظاهر تغير المناخ تعقيدًا وخطورة.

فقدان الذاكرة المناخية

الأمر يشبه إنساناً كان يعيش بنمط ثابت لسنوات ويتحرك بإيقاع منتظم، ثم بدأ فجأة يفقد هذا الإيقاع وينسى ما اعتاد عليه، ويتصرف بشكل غير منطقي، وينتقل بين حالتين متناقضتين دون تمهيد، تمامًا كما يحدث في بعض حالات فقدان الذاكرة.. حين لا يعود السلوك متسقًا مع الماضي، ولا يمكن التنبؤ به بسهولة.

فهل بدأ العالم يفقد "ذاكرته المناخية”؟.. وهل أصبح من الصعب التنبؤ بسلوك الطقس، بعد أن كان يتكرر بإيقاع شبه ثابت؟

ما الذي حدث في الولايات المتحدة؟ 

شهد 19 مارس الحالي موجة حر غير مسبوقة في 14 ولاية أمريكية مدفوعة بما يُعرف بـ "القبة الحرارية"، وهي ظاهرة تضغط الهواء الساخن وتحبسه فوق منطقة واسعة، ومن المتوقع أن تصبح هذه الموجة واحدة من أوسع موجات الحر في تاريخ أمريكا، وفقًا لوكالة "أسوشيتد برس".

والمثير للانتباه لم يكن فقط الارتفاع في درجات الحرارة، بل توقيت هذه الموجة وحدّة الانتقال إليها بعد شتاء قاسٍ.

وتؤكد شبكة World Weather Attribution وجود زيادة احتمالية حدوث مثل هذه الظواهر خلال العقد الأخير بسبب التغير المناخي.

من واشنطن إلى القاهرة.. نفس الاضطراب بسيناريو مختلف

وخلال هذه الفترة تشهد المنطقة العربية سيناريو آخر للتقلبات المناخية المفاجئة، وتظهر ملامح هذا الاضطراب المناخي بوضوح في مصر خلال الفترة من 22 إلى 26 مارس والتي وصفها الإعلام المحلي بـ”أسبوع المفاجآت الجوية”.

بحسب الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية تنتقل الأجواء خلال أيام قليلة بين تقلبات حادة تشمل انتقالًا من أجواء دافئة نسبياً إلى برد أكثر وضوحاً بالليل، مع نشاط رياح قوي.

 

وذروة الاضطراب المتوقعة خلال يومي 25 و26 مارس مع تحذيرات من: 

أمطار رعدية غزيرة في بعض المناطق

انخفاض في درجات الحرارة بمعدل ملحوظ

رياح قوية مثيرة للرمال والأتربة

احتمال تساقط حبات البرد على بعض المحافظات 

اضطرابات قوية في الطقس تشمل مناطق واسعة من السواحل وسيناء والقاهرة.

لم تقتصر التقلبات على مصر، حيث شهدت الإمارات أمطاراً غزيرة وعواصف رعدية ورياحاً قوية، بينما تسجل المملكة العربية السعودية حالات متكررة من الأمطار والرياح المثيرة للغبار، إلى جانب انخفاضات ملحوظة في درجات الحرارة.

كما تشهد سلطنة عمان أمطار متفاوتة الغزارة قد تكون مصحوبة برياح نشطة وتساقط لحبات البرد حتى 30 مارس، ومن المتوقع أن تضرب هذه العاصفة الشتوية أجزاء من العراق وبلاد الشام

ما السبب؟ 

ترجع معظم هذه التقلبات الجوية الحادة التي يعيشها العالم العربي إلى منخفضات جوية، قادمة أو متأثرة بكتل هوائية باردة ورطبة من البحر المتوسط أو جنوب أوروبا.

وتحدث هذه التقلبات في فصل الربيع باحتمالية كبيرة؛ بسبب التحول بين الكتل الهوائية الباردة والدافئة، لكن تغير المناخ يجعل هذه التقلبات أكثر حدة وتكرارًا، بسبب اختلال في النظام المناخي وارتفاع درجات الحرارة.

بحسب شبكة "World Weather Attribution" العالمية، سلسلة العواصف العنيفة والتقلبات التي تشهدها مناطق من إقليم البحر المتوسط مرتبطة بالاحترار العالمي وتأثيرات التغير المناخي، لأن الهواء يحتوي على رطوبة أكبر داخل الأجواء الدافئة، مما يجعل الأمطار الغزيرة أكثر شدة وتراكماً عند حدوث منخفض جوي. 

في مصر وبلاد الشام، تمر المنخفضات مباشرة عبر البحر المتوسط، وتتحول إلى أمطار غزيرة ورعدية مع انخفاض درجات حرارة، أما في منطقة الخليج غالباً ما تتفاعل تلك المنخفضات مع رطوبة الخليج العربي.

عاصفة صموئيل المتوسطية

ضمن العوامل التي ساهمت في هذه الحالة من التقلبات خاصة داخل مصر، برزت عاصفة صموئيل (Storm Samuel)، والتي أثرت على حوض البحر الأبيض المتوسط خلال شهر مارس الحالي.

العاصفة بدأت كنظام منخفض جوي بارد فوق غرب المتوسط، ثم تطورت تدريجيًا أثناء تحركها شرقاً، وخلال مسارها، تسببت العاصفة في أمطار غزيرة ورياح قوية في عدة دول مطلة على المتوسط مثل لإسبانيا وإيطاليا.

وصلت العاصفة إلى ليبيا ثم مصر، مصحوبة برياح نشطة وعواصف رعدية وانخفاض في مستوى الرؤية نتيجة الأتربة، إلى جانب اضطراب في الملاحة البحرية.

وتتوقع دراسة حديثة منشورة على موقع مرصد "كوبرنيكوس" لتغير المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، أن تزداد شدة الأعاصير في كل من غرب وشرق البحر الأبيض المتوسط ​​في المستقبل، مما يُنذر بتداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة على المنطقة مع تحول البحر المتوسط إلى ​​بؤرة مناخية ساخنة

المشهد المناخي يتغير بوتيرة "متسارعة"

في الماضي، كان الطقس يتحرك وفق إيقاع شبه ثابت:

شتاء بارد / انتقال تدريجي / ربيع معتدل.

أما اليوم، اختلف المشهد، الانتقالات المناخية بين البرد والحر باتت سريعة، والتقلبات تحدث خلال أيام مصحوبة باختلال في توقيت الفصول بسبب التغيرات المفاجئة.

الاختلال المناخي المتسارع في أمريكا ومصر والخليج، يثبت أن المناخ فقد ذاكرته فلم يعد ينتقل بسلاسة، بل يتقلب كأنه فقد "انتظامه" المعهود، ولم يعد الماضي مؤشراً موثوقاً لما سيحدث لاحقاً.