الطبيعة تعود إلى الشاشة.. هل تستطيع الدراما حماية البيئة؟


مروة بدوي
الخميس 19 مارس 2026 | 04:36 مساءً

على مدى عقود، ظلت الحدائق والمساحات الخضراء والحقول جزءاً من الذاكرة الدرامية للمشاهد العربي، لايزال يتذكر الكثيرون “الدنيا ربيع” التي غنتها الفنانة سعاد حسني وسط حدائق نهر النيل، أو المواقف الكوميدية التي واجهها إسماعيل ياسين في فيلم “إسماعيل ياسين في جنينة الحيوانات

لم تكن الطبيعة في هذه الأعمال مجرد خلفية للمشهد، بل كانت جزءًا من الحكاية نفسها، وكأنها بطل صامت يشارك النجوم حضورهم على الشاشة

ومع تفاعل الجمهور مع هذه القصص وأبطالها، تعزز أيضاً ارتباطهم بالأماكن الطبيعية التي ظهرت في التصوير، وغدت الحدائق والمساحات الخضراء جزءاً من الذاكرة الجمعية العربية، ومقصدًا رئيسيًا للعائلات في الأعياد والمناسبات

لكن في العقود الاخيرة تغيّر شكل الصورة الدرامية وانتقلت كثير من الأعمال إلى فضاءات مغلقة: شقق، مكاتب، استوديوهات داخلية، وتراجع حضور الأشجار والحدائق في الكادر

في موسم رمضان 2026، تعود المشاهد المفتوحة والمساحات الخضراء في عدد من الأعمال، حيث ظهرت الحدائق والأشجار في التريلرات والملصقات الدعائية لمسلسلات مثل "أب ولكن" و”فخر الدلتا” إضافة إلى مشاهد مصوّرة في أماكن طبيعية مثل الحدائق والحقول داخل هذه الأعمال

حضور الطبيعة على الشاشة ليس مجرد تفصيل بصري عابر، فالصورة التي تقدمها الدراما عن المدن والبيئة يمكن أن تؤثر في طريقة رؤية الجمهور للطبيعة، وتلعب دورًا في تعزيز الوعي بقيمة المساحات الخضراء وتشجيع الاهتمام بحمايتها

كما تؤكد على الدور البيئي للحدائق والمساحات الخضراء إذ تساهم في تنقية الهواء، وخفض درجات الحرارة، وامتصاص التلوث، وتوفير موائل للكائنات الحية، إضافة إلى دعم الصحة النفسية لسكان المدن

 مشاهد الطبيعة جزء من الوعي البيئي

الدراما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي أحد أقوى الأدوات الثقافية التي تشكّل فكر الجمهور وصورته عن العالم، لذلك يمثل ظهور الطبيعة والحدائق في المسلسلات نقطة هامة لتذكّير المشاهدين بأن المساحات الخضراء ليست رفاهية، بل جزء أساسي من الحياة في المدن

في هذا السياق، تشير دراسات حديثة إلى أن السرد القصصي في الدراما يمكن أن يكون وسيلة مؤثرة في تعزيز السلوك البيئي، ووفقا لبحث نُشر عام 2025 بعنوان “The Power of Film in Promoting Environmental Sustainability” فإن القصص الدرامية المؤثرة عاطفياً قادرة على تحفيز اهتمام الجمهور بالقضايا البيئية وتشكيل الرأي العام حول الاستدامة.

وتتفق هذه النتائج مع دراسة أخرى يابانية في مجال الاتصال البيئي تشير إلى أن القصة الدرامية غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا في تغيير السلوك مقارنة بالمعلومات الجافة، لأنها تعزز “الارتباط العاطفي بالطبيعة”، وتشجع السلوكيات الإيجابية مثل زيارة الحدائق، أو الحفاظ عليها، أو المطالبة بمزيد من المساحات الخضراء

هل يمكن للدراما أن تحمي البيئة ؟

رغم أن الدراما ليست أداة مباشرة لحماية البيئة، فإن تأثيرها الثقافي يمكن أن يكون كبيرًا، وقد تساهم الأفلام والمسلسلات في جذب الانتباه إلى أماكن طبيعية أو بيئية محددة مما يؤدي إلى زيادة الاهتمام بها وتعزيز جهود حمايتها

لهذا يرى الباحثون أن حضور الطبيعة في الثقافة الشعبية، بما فيها الدراما، يمثل وسيلة مهمة في دعم النقاش حول حماية البيئة والتنوع البيولوجي

وقد اختبرت دراسة نُشرت عام 2024 بعنوان “Changing Minds About Climate Change in Indonesia Through a TV Drama”

تأثير مسلسل درامي تناول قضايا المناخ على مجموعة من الشباب في إندونيسيا، وأظهرت النتائج زيادة واضحة في المعرفة بالقضايا البيئية، إضافة إلى ارتفاع معدل الحديث عن تغير المناخ وزيادة الاهتمام بمتابعة المحتوى البيئي ، كما أبدى المشاركون دعمًا أكبر لبعض السياسات البيئية، مثل الحد من إزالة الغابات وزيادة التغطية الإعلامية لقضايا المناخ

ورغم هذه الفوائد والايجابيات لدور الدراما البيئي، يبقى هناك شرط في غاية الأهمية للتصوير داخل الطبيعة؛ هو الالتزام بقواعد "Green Filmmaking " أو اعتماد طرق صديقة للبيئة لا تزعج الحيوانات وتقلل البصمة الكربونية إلى أقل حد ممكن

نماذج حولت الدراما إلى رسالة بيئية

وقد نجحت بالفعل بعض الأعمال الدرامية العالمية في تحويل البيئة إلى محور رئيسي للقصة، من خلال قصص درامية جعلت الجمهور يتعاطف مع الطبيعة ويشعر بخطورة فقدانها.

من بين هذه الأعمال مسلسل "Ragnarok النرويجي، والذي تدور أحداثه في إطار خيالي مستوحى من الأساطير الإسكندنافية، لكنه يضع قضية التلوث الصناعي وتغير المناخ في قلب الصراع الدرامي

المسلسل نجح في رفع الوعي عن تغير المناخ والحفاظ على البيئة بما فيها المساحات الخضراء والجبال، ما جعل المسلسل يُدرج ضمن أبرز الأعمال التي تناولت قضايا المناخ والبيئة في السنوات الأخيرة.

وفي السينما العالمية، يُعد فيلم Avatar للمخرج جيمس كاميرون واحداً من أشهر الأمثلة على قوة الدراما في الدفاع عن البيئة ، حيث تحولت القصة إلى رسالة بيئية واضحة عن أهمية حماية الطبيعة والتنوع البيولوجي، واستمر هذا الخط البيئي في الجزء التالي من سلسلة الفيلم، الذي ركّز بشكل أكبر على حماية المحيطات والنظم البحرية.

الطبيعة بطل صامت

ربما لا تستطيع الدراما حل أزمات المناخ أو وقف فقدان التنوع البيولوجي، لكنها تملك قدرة كبيرة على تشكيل الوعي الجمعي

عندما تعود الأشجار والحدائق إلى الشاشة، فهي لا تضيف جمالاً بصرياً فحسب، بل تذكر المشاهدين أيضاً بأن الطبيعة ليست مجرد ديكور، بل عنصر أساسي في حياتنا

كما يمكن للصورة الدرامية أن تساهم ولو بشكل غير مباشر في رفع الوعي لدى الجمهور بالقضايا البيئية، وخاصة إذا تحولت المساحات الخضراء من مجرد خلفية تصوير إلى جزء من القصة

وفي الوقت الحالي، تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة داخل العالم العربي، حيث تواجه المدن العربية تحديات متزايدة تتعلق بتراجع المساحات الخضراء والتوسع العمراني السريع وارتفاع درجات الحرارة

وأخيراً، بعد نجاح بعض الأعمال العالمية في تحويل الطبيعة إلى قضية درامية أساسية، يبقى السؤال: هل يمكن للدراما العربية أن تلعب دورًا مشابهًا في تعزيز الوعي البيئي؟